مروة جردي/جريدة الأخبار
كشفت طريقة إعلان ترامب عن عملية فنزويلا عبر منصته الشخصية، مرفقة بموسيقى وصور استعراضية، كيف جرى تحويل حدث عسكري وسيادي إلى عرض رقمي فردي. استخدام أغنية احتجاجية وصور مذلّة لمادورو يعكس تفاهة الشر، حيث تُعطَّل الأخلاق، وتُجمَّل القوة، وتُمحى الأسئلة القانونية والإنسانية
من المفارقات التي أحاطت بالعملية الأميركية في فنزويلا، أن الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب نشر الخبر أولًا عبر منصته الخاصة «تروث سوشال»، وأن الصورة الأولى الرسمية الوحيدة للرئيس الفنزويلي المخطوف نيكولاس مادورو لم تصل إلا عبر حساب ترامب الشخصي، وليس عبر أي وسائط صحافية رسمية. وهو ما يضع العملية نفسها في إطار عرض رمزي فردي بحت، قبل أن تصبح قضية وأزمة دولية.
الأمر الأغرب تمثل في نشر ترامب مقطع فيديو للعملية العسكرية مرفقًا بموسيقى، وكأنها مشهد ترفيهي أو جزء من فيلم سينمائي.
• أغنية ضد حرب فيتنام مع هجوم فنزويلا!
في المنشور الثاني له بعد الإعلان عن العملية، نشر ترامب مقطع فيديو للعملية العسكرية مرفقًا بمقطع من أغنية Fortunate Son لفرقة Creedence Clearwater Revival كخلفية للعملية العسكرية، وهو ما يمثل تناقضًا صارخًا. الأغنية، التي كتبها جون فوغيرتي عام 1969 كانت احتجاجًا على الحرب الأميركية في فيتنام والامتياز الطبقي، وكانت تعبيرًا عن رفض الظلم الاجتماعي، حيث يُجبر أبناء الطبقة العاملة على القتال بينما يُعفى أبناء النخب السياسية والاقتصادية.
كلمات الأغنية كانت صرخة ضد تحميل الفقراء ثمن الحروب، بينما العملية العسكرية في فنزويلا تمثّل السلطة نفسها كقوة تتجاوز القانون الدولي والسيادة الوطنية. تضاد مضمون الأغنية مع سياق استخدامها، يكشف الفجوة الرمزية بين الاحتجاج والثأر العسكري، ويحول الموسيقى من وسيلة للتمرد إلى أداة لتجميل العنف.
• الصور الأولى لمادورو والتحكم الرمزي
في المنشور التالي لترامب، كانت الصورة الأولى لنظيره الفنزويلي وكتب معلقًا عليها: «نيكولاس مادورو على متن السفينة USS Iwo Jima». ظهر مادورو وهو يرتدي بيجاما وحاملًا علبة مياه صغيرة ومغمض العينين. تبدو الصورة كما لو أنها مأخوذة من صورة مطبوعة، إذ يمكن رؤية حواف بيضاء حولها. ويمكن رؤية ما يبدو أنه حروف DEA على زي شخص يرتدي الزي الأسود يقف بجانب الرئيس الفنزويلي مادورو. وأعلن ترامب أن مسؤولي «إدارة مكافحة المخدرات» (DEA) شاركوا في العملية في محاولة لتسويق تبرير العملية بتهم تتعلق بتجارة المخدرات ضد النظام الفنزويلي.
هذا النوع من الصور يعيد إنتاج صورة المعتقل السياسي أو المجرم الدولي بطريقة تشبه ما نراه في إعلام الحروب الاستعراضي، حيث تُستخدم الصورة لفرض تصوّر معيّن قبل أي تحليل أو تحقيق رسمي، ويضع مادورو في موضع الانكسار تحت سلطة عسكرية أميركية هي السفينة الحربية الأميركية من فئة USS Iwo Jima، التي تستخدم كسفينة إنزال وهجوم برمائي في عمليات عسكرية واسعة ونقل قوات خاصة تابعة للبحرية الأميركية. كانت المحاولة الثانية للرئيس الأميركي ووزير خارجيته ماركو روبيو مرتبطة بنشر مقطع فيديو سابق للرئيس مادورو وهو يتحدى ترامب بأن يأتي إليه ويأخذه، حيث يعلّق روبيو بأنهم «أتوا وهو لم يعرف» في محاولة لتثبيت التفوق، والإشارة إلى أن العملية استجابة لتحدي مادورو للقوة الأميركية.
ظهر مادورو في صور قليلة تالية، وهو خارج من طائرة محاطًا بعناصر أمن في مطار في شمال نيويورك، قبل أن يظهر في صور أخرى وهو يسير مكبلًا ومحاطًا بعناصر أمنية في أحد ممرات إدارة مكافحة المخدرات الأميركية. في الوقت نفسه، كشفت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية تفاصيل التحفظ على مادورو عقب وصوله إلى قاعدة عسكرية في نيويورك. وأوردت الصحيفة أنّ مادورو نُقل إلى مانهاتن، ثم إلى مقر إدارة مكافحة المخدرات في مدينة نيويورك. وأضافت أن طائرة مروحية ستنقل مادورو بعد ذلك إلى مركز احتجاز فيدرالي، في انتظار محاكمته.
السياسة الإعلامية التي تتبعها أميركا/ ترامب في عمليتها ضد فنزويلا، يذكّر مباشرة بمفهوم «تفاهة الشر» الذي صاغته حنا آرندت في كتابها «آيخمان في القدس»، حيث أشارت إلى أن الشر قد يكون ناتجًا من تعطيل التفكير الأخلاقي. هنا، الشرّ لا يظهر فقط في الفعل العسكري، بل في تحويل مأساة المدنيين إلى مادة إعلامية مزينة بالموسيقى أو صورة تحاول تثبيت التهم، كأن الموت والدمار مجرد عنصر جمالي يُعرض على الجمهور. استخدام أغنية احتجاجية كخلفية للعملية يعكس تفاهة الشر الرمزية: القوة تُستعرض، الضحايا يُمّحون، والسيادة الوطنية تُتجاهل، بينما يُضاف صوت موسيقى لتغليف الفعل العدواني. والحادثة تظهر التقاطع الخطير بين القوة والسياسة والثقافة.