اوراق مختارة

حين يصبح الرغيف صرخة كرامة

post-img

ملاك المولى (صحيفة البناء)

في جدلية البقاء والحرية، ثمة خيط رفيع يربط بين حركة الشارع وأنين الجيوب.

تاريخياً، لم تكن الانتفاضات مجرد شعارات سياسية تُرفع في الميادين، بل كانت في جوهرها انعكاساً لواقع معيشي ضاغط، وصل فيه المواطن إلى قناعة مريرة بأنّ الصمت لم يعد أرخص ثمناً من الكلام.

وطبعاً لا ينطبق توصيف الانتفاضة على ما حصل في 17 تشرين الأول 2019، لأنّ رفض زيادة السينتات على الوتسآب، كانت جزءاً من مخطط تعميق الأزمة الاقتصادية ووضع لبنان في قلب الانهيار.

اليوم، ونحن نراقب التداخل بين “الانتفاضة” كفعل تغيير، و”الغلاء” كوحش ينهش اليوميات، نجد أنفسنا أمام مشهد يتجاوز الاقتصاد ليلامس حدود الانفجار الاجتماعي.

وحش الغلاء.. حين تأكل الأرقام أحلامنا

الغلاء ليس مجرد ارتفاع في مؤشرات البورصة أو زيادة طفيفة في أسعار السلع الأساسية؛ إنه في العمق “عنف صامت” يُمارَس ضدّ الشرائح الوسطى والفقيرة. وعندما تصبح لقمة العيش معركة يومية، وعندما يُضطر ربّ الأسرة للمفاضلة بين فاتورة الدواء وكيس الطحين، تسقط هيبة الوعود السياسية.

إنّ التضخم الذي تشهده الأسواق اليوم لا يضرب القدرة الشرائية فحسب، بل يضرب “الأمن النفسي” للمجتمع. فالمواطن الذي يشعر بالعجز أمام متطلّبات أطفاله، يتحوّل تدريجياً إلى بركان من الغضب ينتظر لحظة التنفيس.

الانتفاضة ضرورة لا كخيار

لطالما قيل إنّ “الجوع كافر”، ولكن الأصحّ أنّ “الظلم هو الدافع”. فالناس لا تنتفض فقط لأنّ الأسعار مرتفعة، بل لأنها تشعر بغياب العدالة في توزيع الأعباء. حين يرى المواطن تقشفاً يُفرض عليه وحده، بينما تنعم فئات أخرى بامتيازات السلطة والثروة، تصبح “الانتفاضة” هي اللغة الوحيدة المتبقية للتخاطب مع صميم السياسات الرسمية.

الانتفاضة في وجه الغلاء هي صرخة كرامة قبل أن تكون مطالبة بخفض الأسعار. هي إعلان بأنّ الإنسان ليس مجرد “رقم استهلاكي” في معادلة اقتصادية باردة، بل هو صاحب حق في حياة عزيزة لا يطارد فيها رغيف الخبز كما يطارد الطريدة.

ملامح الطريق: هل من مخرج؟

إنّ الربط بين الغلاء والتحرك الشعبي يضع أصحاب القرار أمام حقيقة واحدة: الحلول الأمنية والمسكنات المؤقتة لم تعد تجدي نفعاً، في حين يتطلب الأمر رؤية اقتصادية شاملة تعتمد على:

رقابة فاعلة تكسر احتكار الحيتان الذين يقتاتون من تفاقم الأزمات، وحماية اجتماعية تتمثل بتفعيل شبكات أمان حقيقية تحمي الفئات الأكثر تضرراً، ومكاشفة وشفافية عبر إشراك المواطن في تفاصيل الأزمة بدلاً من سياسة “الهروب إلى الأمام”.

بين رحى الغلاء وطموح الانتفاضة، يكمن وطن يبحث عن التوازن. إنّ الشعوب لا تحب الفوضى، لكنها لا تطيق الذلّ. وإذا كان الغلاء قد ضيّق الخناق على الأجساد، فإنّ الانتفاضة هي محاولة الروح لاستعادة أنفاسها.

المعادلة بسيطة ولكنها خطيرة: أطعموا الناس كرامةً وعدلاً، قبل أن يأكل الغلاء أخضر الوطن ويابسه.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد