اوراق مختارة

تغطية إعلامية متأثرة بهوليوود وألعاب الفيديو: الكاوبوي يخطف الرئيس والهامبرغر يُغطّي المشهد!

post-img

علي سرور/جريدة الأخبار

أظهر المشهد الإعلامي المصاحب لاختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو كيف استُخدمت اللغة لتخفيف توصيف الجريمة، وجرى تضخيم منشورات ترامب والبيت الأبيض لتحويل الحدث إلى استعراض قوة. في المقابل، غابت الأسئلة القانونية، وتوارى الشعب الفنزويلي خلف سرديات جاهزة ومحتوى استهلاكي

استيقظ العالم على زلزال سياسي يوم السبت الماضي إثر عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. لكنّ الانحدار الأخلاقي للإدارة الأميركية في خرق جميع المواثيق الدولية وحتّى الفيدرالية، واكبته أيضًا تغطية إعلاميّة من نسج الأفلام الهوليودية وألعاب الفيديو.

قبل صدور أي روايات رسمية واضحة، انتشرت الروايات على المنصّات الرقميّة سريعًا. وخلال ساعات قليلة، طغت مفردات بخلاصة جاهزة مثل «نهاية نظام» و«سقوط ديكتاتور» و«تحقّق العدالة»، مع استهزاء بأداء القوات المسلّحة والشعب الفنزويلي.

هذه الصورة القاتمة التي رسمت المشهد صبيحة الأحد، لم تستند إلى أي حقائق، كما لم يعرض أحد روايةً واضحة عمّا حصل. وبينما تسارعت القصص الواحدة تلو الأخرى، مدفوعة بمنشورات «رائجة» من قبل دونالد ترامب وحساب البيت الأبيض، نجحت الإدارة الأميركية في إبعاد التركيز عن فظاعة الخطوة بحدّ ذاتها، إلى إبراز اليد الطولى للقوات الأميركية، كأنّ ما حدث هو تجسيد لإحدى نسخ لعبة «نداء الواجب» (Call of Duty).

• إسقاط الإنسانية عن الشعوب

لعبت اللغة دورًا حاسمًا في تشكيل السردية. في كثير من التغطيات الغربية على الإعلام التقليدي، ومعها النقاشات الرائجة على وسائل التواصل الاجتماعي، غابت كلمة «اختطاف» أو حضرت بحذر، واستُبدلت بتعابير أكثر ليونة مثل «احتجاز» أو «إخراج» أو «إزاحة». هذه ليست تفاصيل لغوية بريئة، بل مفردات لها تاريخ طويل في تغطية الانقلابات والتدخلات الخارجية.

أعاد الإعلام إنتاج قاعدةً قديمة، حيث الجريمة تُعرّف وفقًا لهوية الضحية، لا طبيعة الفعل. ما يُدان إذا استهدف حليفًا لواشنطن، يُبرَّر أو يُخفَّف إذا طال خصمًا لها. ومع التكرار، يتحوّل هذا التمييز إلى أمر طبيعي في الوعي العام.

وسط مسلسل الإغراق الإعلامي لتبسيط ما حدث، تغنّى «الترامبيّون» بمشهد نقلته إحدى القنوات الأميركية الشهيرة: خلال بثّ الصور من فنزويلا، ظهرت الغارات الضخمة على العاصمة كراكاس مع عرض خبر يُعلن عن «أسر» الرئيس مادورو، وإذ تدخل إلى الإطار صورة ضخمة جديدة تطغى على الأحداث جميعها، يظهر فيها مقطع إعلاني لأحد مطاعم «الهامبرغر» الأميركي الشهير. هي لقطة معبّرة للداخل الأميركي وخارجه. الكاوبوي يخطف رئيسًا شرعيًا ويُحاول إسقاط دولة واللعب بمصير ملايين الفنزويلييّن، بهدف واضح أعلنه ترامب هو الانقضاض على أكبر احتياطي نفط في العالم، وجميعها أحداث تقبع في نفس مستوى الأهميّة، إن لم تكن أقلّ، من دعاية مأكولات سريعة تُسلّي الأميركي كأنّ ما يحصل مجرّد فيلم من نسج الخيال، خالٍ من العنصر البشري والأخلاقي.

• الإعلام سيف في المعركة

لم تكن التغطية فقط هي الأمر اللافت، بل نبرة الاحتفال أيضًا. على المنصّات، بدا المشهد أشبه بنهاية فيلم أو فوز فريق في مباراة حاسمة. لم يُطرح السؤال عن الكيفية أو الشرعية أو التداعيات، بل جرى التركيز على النتيجة المفترضة وحدها.

هذا التفاعل يعكس ما يمكن تسميته «وهم الرجل الواحد»؛ الفكرة التي تفترض أنّ أزمات الدول تختزل في شخص واحد، وأن إزاحته كفيلة بحلّ كلّ شيء. وهم غذّته الثقافة السياسية الغربية طويلًا، وعادت «الترامبية» لتضخّه بقوة عبر ثنائيات أخلاقية حادّة، وتبسيط مفرط، واحتفاء بالصدمة على حساب العملية السياسية.

وسط الضخّ الإعلامي الهائل خلال ساعات قليلة، لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دور «رئيس التحرير» الجديد. كافأت الخوارزميات الخطاب الحاسم والغاضب، وأقصت أي محاولة للتريّث أو طرح الأسئلة. هكذا، تراجع التحليل، وصعدت شخصيات مؤثّرة بلا خبرة سياسية لتؤدي دور معلّقي السياسة الخارجية.

• فنزويلا الغائبة

في خضم هذا الضجيج، غابت فنزويلا كبلد حيّ، وحضرَت كرمز مجرّد. نادرًا ما سُمعت أصوات الفنزويليين خارج القوالب الجاهزة، وجرى التعامل مع البلد كخشبة مسرح تُسقَط عليها تصوّرات خارجية. لم يكن المشهد بعيدًا من نمط قديم في التعامل مع أميركا اللاتينية بوصفها «ساحة» لا «فاعلًا».

انعكس هذا الغياب أيضًا في جانب من التغطية العربية، التي اعتمدت إلى حدّ كبير على وكالات غربية من دون إعادة قراءة أو ربطٍ بالتجارب التاريخية للمنطقة العربية نفسها، رغم تشابه السياقات المرتبطة بالانقلابات والتدخلات وتبريرها أخلاقيًا.

• الاحتفال بالقوة وسقوط الأخلاق

في المحصّلة، لا تتعلّق المسألة بنيكولاس مادورو بقدر ما تتعلّق بما يكشفه هذا المشهد عن الثقافة الإعلامية المعاصرة. حين يُختزل حدث بحجم اختطاف رئيس دولة إلى مادة ترفيهية، وحين يُناقَش الفعل بوصفه «نجاحًا» قبل مساءلته كجريمة محتملة، يكون الخلل قد تجاوز السياسة إلى ما هو أعمق.

تحويل الرؤساء إلى «محتوى»، والدول إلى ساحات عرض، والشعوب إلى تفاصيل هامشية في سرديات القوة، ليس مجرّد انزلاق إعلامي، بل تمرين متكرّر على تعطيل الحسّ الأخلاقي. في هذا العالم، لا تعود الشرعية سؤالًا، ولا القانون مرجعًا، بل تصبح الصورة الأقوى هي الحقيقة الوحيدة.

هنا، تحديدًا، تكمن خطورة استقرار هذه العقلية في الخوارزميات، وفي لغة الإعلام، وفي شهيّة الجمهور للصدمة. ثقافة تحتفي بالقوة، وتصفّق للإذلال، وتنسى، عمدًا أو تواطؤًا، أنّ خلف كلّ «مشهد» بشرًا حقيقيين، لا يعيشون داخل لعبة، ولا يمكن إعادة تشغيل حياتهم بعد انتهاء العرض.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد