أوراق ثقافية

المؤشر العربي: استخدام متزايد للإنترنت وثقة متراجعة

post-img

يكشف المؤشر العربي 2024/ 2025، الذي أعلن عنه أمس في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، في الدوحة عن تحوّل لافت في علاقة المجتمعات العربية بالفضاء الرقمي خلال العقد الأخير: اتساع غير مسبوق للاستخدام يقابله تراجع تدريجي في الثقة بالمحتوى والأخبار، مع بروز ملامح رقابة ذاتية واجتماعية تتداخل فيها الحكومات والشركات.

تشير النتائج إلى أن 79% من المستجيبين يستخدمون الإنترنت بدرجات متفاوتة، بينما 18% لا يستخدمونه، في حين أكد 65% أنهم يستخدمونه يوميًا أو شبه يومي. وهذه الأرقام تكتسب وزنها الحقيقي عند مقارنتها بالسنوات السابقة: فقد انخفضت نسبة غير المستخدمين من 55% في 2013 إلى 18% في 2025، ما يعني أنّ الإنترنت لم يعد امتيازًا لفئات محدودة، بل أصبح مكوّنًا رئيسيًا في الحياة اليومية. وتسجل منطقة وادي النيل أعلى نسب عدم الاستخدام، مقابل أقلها في المشرق، ما يعكس فجوة رقمية إقليمية مستمرة.

اللافت أيضًا أن 90% من المستخدمين يعتمدون العربية لغةً للتصفح، في اتجاه معاكس للاعتقاد الشائع بأن الرقمنة تدفع باتجاه الإنكليزية. وهو مؤشر على اتساع تعريب المحتوى الرقمي، وعلى قدرة العربية على الاستقرار باعتبارها لغة تواصل ومعلومات في المجال العام.

من بين مستخدمي الإنترنت، أفاد 98% بامتلاكهم حسابات على منصات التواصل الاجتماعي، وتظل واتساب وفيسبوك المنصتين الأكثر حضورًا في مختلف الأقاليم. أما منصة إكس فلا تصل حساباتها إلى نصف المستخدمين إلا في الخليج، حيث يملك 69% من المستخدمين حسابًا عليها. وفي جانب تفضيلات المحتوى، يفضل 47% الفيديو، مقابل 27% للنص المكتوب، و15% للصورة، ما يكرس هيمنة المرئي بوصفه اللغة الجديدة للأخبار والترفيه والتعبير السياسي معًا.

تكشف النتائج أن الاستخدام الأكثر شيوعًا يرتبط بالتواصل الشخصي: 27% للتواصل مع الأصدقاء والمعارف، ثم 15% لمتابعة أخبار البلد، و11% لملء وقت الفراغ. أما الموضوعات الأكثر متابعة فهي "الرائج" (14%) ثم السياسة (13%)، وهو ترتيب يوضح كيف تتزاحم السياسة مع ثقافة الترند، لا بوصفها اهتمامًا دائمًا بل باعتبارها موجة قابلة للهبوط والارتفاع.

يظهر واحد من أهم المؤشرات في هذا القسم: 59% لا يثقون بالأخبار والمعلومات المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي، مقابل 41% فقط يثقون بها، مع تراجع واضح في الثقة مقارنة بالاستطلاعات السابقة. والأكثر دلالة أن المؤثرين والمشاهير هم الأقل ثقة (32%)، في حين تُعد الصفحات الحكومية الرسمية الأكثر ثقة (56%). هذا التوزيع يعكس مفارقة عربية معاصرة: الانتشار الواسع لمنصات الأفراد لا يعني تصديقهم، بينما تُمنح المؤسسات الرسمية قدرًا أعلى من الموثوقية رغم تاريخ طويل من الشك العام بالإعلام الرسمي.

على الرغم من تراجع الثقة، يؤكد 57% من المستخدمين أنهم يستخدمون وسائل التواصل للتعبير عن آرائهم في أحداث سياسية، لكن 11% فقط يفعلون ذلك يوميًا أو عدة مرات يوميًا. كما أفاد 54% أنهم يستخدمونها للتفاعل مع قضايا سياسية مقابل 42% لا يستخدمونها لهذا الغرض، مع تسجيل السعودية والأردن أدنى مستويات المشاركة السياسية عبر المنصات. هذه الأرقام تشير إلى أن المنصات أصبحت مساحة سياسية "مسموح بها جزئيًا"، تُستخدم للتفاعل حين ترتفع حرارة الأحداث، ولكنها لا تتحول بالضرورة إلى ممارسة يومية دائمة.

يفيد المؤشر بأنّ نصف المستخدمين لا يتابعون المؤثرين أساسًا، ومن يتابعهم لا يثق بهم بالضرورة: 57% من متابعيهم يقولون إنهم لا يتأثرون بهم. في المقابل، يعتقد 37% أن نشاطهم على وسائل التواصل مراقَب، ويرى 44% أن الشركات المالكة تراقبهم و34% أن الحكومات تراقبهم. والأهم أن 76% لا يعرفون بوجود "جيوش إلكترونية".

لعلّ التحوّل الأكثر دلالة لا يكمن فقط في اتساع استخدام الإنترنت، بل في تغيّر "وسيط الخبر السياسي" نفسه عبر السنوات. إذ تكشف استطلاعات المؤشر العربي منذ 2011 مسارًا واضحًا: التلفزيون الذي كان لسنوات طويلة المصدر شبه الحصري للأخبار السياسية يتراجع تدريجيًا من 78% في 2012/13 إلى 42% في 2024/25، من دون أن يختفي تمامًا، بل يحتفظ بموقع المصدر الأول رغم التآكل. وفي المقابل، يصعد الإنترنت ليقترب من التلفزيون لأول مرة تقريبًا، إذ ترتفع نسب الاعتماد عليه من مستويات محدودة في منتصف العقد الماضي إلى 38% في 2024/25، بما يحوّل المجال الرقمي من مساحة موازية إلى مساحة تنافس المركز القديم للأخبار.

أما الصحف اليومية (الورقية والإلكترونية) فتبدو الأكثر تراجعًا، إذ تتراجع إلى 2% فقط، بينما يبقى الراديو ثابتًا عند هامش صغير، في حين تظل الأخبار المتداولة عبر العائلة والأصدقاء أقل تأثيرًا. وهنا تتضح مفارقة العصر الرقمي العربي: المصدر يتحوّل من شاشة مركزية إلى فضاء موزع، لكن الثقة لا تتحرك بالوتيرة نفسها - فكلما تقدّم الإنترنت بما هو مصدر، تعمّق الشك في محتواه، وتوسّعت الحاجة إلى الرقابة الذاتية التي يرصدها المؤشر في سلوك المستخدمين.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد