ميسم رزق (الأخبار)
سبق لوزير الخارجية يوسف رجّي أن ادّعى بأنّ الوزارة "عادت لبنانية"، غير أنّ الوقائع تُظهِر عكس ذلك تمامًا. فلم يُسجَّل أن سخّر أيّ من أسلافه وزارة الخارجية في خدمة حزبه أو تياره كما يفعل هو اليوم لمصلحة "القوات اللبنانية" ورعاتها الإقليميين والدوليين. وقد تجاوز رجّي الأصول الدبلوماسية المعهودة، في ما حفلت مسيرته الوزارية القصيرة بسلسلة من الهفوات المتكرّرة، من تصريحاته الإعلامية المتسرّعة، إلى أسلوب تعاطيه مع نظرائه، مرورًا بمحاولات افتعال أزمات دبلوماسية مع دول تربطه بها خصومة شخصية وحزبية، رغم أنّها ليست مُصنّفة عدوًا للبنان، كما هي الحال مع إيران، إذ بدا الوزير في حالة استنفار دائم للردّ على أي تصريح يصدر عن مسؤولين إيرانيين بشأن لبنان، في مقابل تجاهله المُتعمّد لتصريحات غربية وعربية فجّة في مساسها بالسيادة اللبنانية.
ويبدو أن رجّي قرّر الانتقال إلى مستوى جديد. فبعد التحريض على سلاح المقاومة، بدأ التحريض على بيئة المقاومة نفسها، داعيًا عمليًا إلى ترك الناس واقفين فوق ركام منازلهم، بلا أفق للعودة أو إعادة الإعمار. وقد برز ذلك في تصريحاته أمام مؤسّسات خاضعة للوبي "الإسرائيلي" في الولايات المتحدة، حيث حذّر صراحة من تقديم أيّ دعم لإعادة إعمار المناطق المتضرّرة وعودة الأهالي إلى بيوتهم.
فبرأيه، البدء بـ"عملية إعادة الإعمار الآن أمر سخيف". ولفت إلى أن "الرياض أبدت اهتمامًا متجددًا بدعم التعافي المالي وإعادة الإعمار في لبنان"، لكنّه سرعان ما استدرك أن "إعادة الإعمار في الوقت الراهن سخيفة وسابقة لأوانها"، بحجّة أنّ "حزب الله لا يزال يسعى إلى تدمير "إسرائيل"، في حين لم تنتهِ "إسرائيل" بعد من استهداف حزب الله".
وأضاف رجّي أنّ "المملكة العربية السعودية ربطت أي مساعدة تُقدَّم للبنان بشرطين واضحين: نزع سلاح حزب الله، وتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية"، واضعًا بذلك ملف إعادة الإعمار في إطار الشروط السياسية والأمنية الخارجية، لا ضمن أولوية إنسانية أو وطنية تتعلّق بحق الناس بالعودة إلى بيوتهم.
وهذا ما استدعى ردًا من النائب حسن فضل الله، الذي اعتبر أنّه "من الواضح أنّ الوزير، بصفته عنصرًا ميليشيويًا شارك في الحرب الأهلية ضدّ الشعب اللبناني، لا يميّز بين انتمائه إلى المجلس الحربي وكونه موظفًا في مجلس الوزراء". وأضاف أنّ "رجّي لا يزال يعيش ثقافة الحرب التي تربّى عليها في مدرسة حزبه، تلك المدرسة التي كان من اختصاصها قتل الجيش الوطني اللبناني، ولا تزال تتحيّن الفرص للانقضاض عليه وعلى الدولة واللبنانيين"، مؤكّدًا أن "هذه الأوهام ستخيب مُجدّدًا".
كلام رجّي جاء خلال مشاركته عن بُعد في منتدى نظّمه "معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى"، قبل نحو عشرة أيام، بمشاركة كلّ من السفير الأميركي السابق دينيس روس، وحنين غدار، وروبرت ساتلوف، المدير التنفيذي للمعهد.
وقال رجّي إن "أولوية الحكومة تتصدّرها مسألة نزع سلاح حزب الله"، معتبرًا أن "الجيش اللبناني قادر تمامًا على مواجهة الحزب عسكريًا إذا اقتضت الضرورة". وذهب أبعد من ذلك، زاعمًا وجود "إجماع بين الحكومة والشعب على اعتبار حزب الله منظمة عسكرية غير قانونية، وأنه لا بدّ من نزع سلاحها وتفكيكها"، مشدّدًا على أن لبنان "يمضي قدمًا في مهمّة نزع السلاح انطلاقًا من كونها إرادة الشعب اللبناني أولًا وأخيرًا".
واعتبر أن "حزب الله يراهن على كسب الوقت لإعادة تنظيم صفوفه ومواصلة هيمنته على البلاد"، مضيفًا أن "الحكومة المُنتخبة ديمقراطيًا، حين تتحرّك لنزع سلاح منظمة مسلّحة غير قانونية، إنما تستعيد مبادئ الدستور واتفاق الطائف، ولا تشنّ حربًا أهلية كما يُروَّج"، ليعود ويؤكّد مُجدّدًا أن "الجيش اللبناني قادر تمامًا على مواجهة حزب الله عسكريًا إذا اقتضت الضرورة".
أمّا في ما يتعلق بالتطبيع مع "إسرائيل"، فأوضح رجّي أن "لبنان، بموجب القانون اللبناني، لا يزال في حالة حرب رسمية مع "إسرائيل"، وبالتالي فإن أي حديث عن السلام أو التعاون يبقى سابقًا لأوانه". لكنّه أضاف أن "الموقف الرسمي للحكومة اللبنانية يتمثّل في السعي إلى تحقيق السلام مع جميع الدول، بما فيها "إسرائيل"، شرط الالتزام بمبادرة السلام العربية التي أُقرّت في قمة بيروت عام 2002، والتي تنص على حلّ الدولتين".