معتز منصور/ باحث سياسي
لم تعد غرينلاند مجرد جزيرة جليدية بعيدة عن مراكز القرار. لقد تحولت، في العقدين الأخيرين، إلى مرآة كاشفة لتحولات أعمق تضرب فكرة الدولة والسيادة والنظام الدولي نفسه. تصريحات دونالد ترامب المتكررة عن رغبة الولايات المتحدة في امتلاك غرينلاند ليست نزوة شخصية، هي تعبير واضح عن منطق قوة قديم، عاد إلى الظهور في زمن تتآكل فيه الأقنعة القانونية والأخلاقية التي حكمت العلاقات الدولية منذ نهاية الحرب الباردة.
غرينلاند، اليوم، هي في موضع اهتمام كبير؛ لأنها أرض شاسعة قليلة السكان، وتقع عند تقاطع ثلاثة تحولات كبرى تعيد تشكيل العالم: تحولات المناخ، تحولات القوة العسكرية،وتحولات الاقتصاد العالمي.
ذوبان الجليد، في القطب الشمالي، لم يعد قضية بيئية فحسب، بل أعاد تعريف الجغرافيا بوصفها متغيرًا سياسيًا. مسارات الشحن البحرية التي كانت مغلقة، خلال العقود الماضية، أصبحت ممرات استراتيجية، والمسافات بين الأسواق تقلصت، وزمن الوصول أصبح عاملًا من عوامل الردع والهيمنة. في هذا السياق، تصبح جرينلاند عقدة جغرافية لا يمكن للولايات المتحدة وروسيا والصين تجاهلها.
الأمن، في القرن الحادي والعشرين، لم يعد قائمًا على الحدود الصلبة، بل على المسارات الاستراتيجية: مسارات الصواريخ العابرة للقارات، مسارات الإنذار المبكر، مسارات التجارة العالمية. موقع غرينلاند يجعلها جزءًا من البنية التحتية غير المرئية للردع النووي، من خلال أنظمة المراقبة والرصد المبكر التي تسهم في تقليل احتمالات المفاجآت الاستراتيجية. لذلك، القواعد العسكرية وأنظمة الرادار في الجزيرة ليست مجرد تفاصيل دفاعية، هي جزء من معادلة التوازن الاستراتيجي العالمي.
روسيا تتحرك بمنطق مختلف ظاهريًا؛ لكنه لا يقل خطورة. موسكو تعزز حضورها في القطب الشمالي عبر البُنى العسكرية والاستثمارات في البحث العلمي والخرائط الجيولوجية. زرع العلم الروسي، في قاع القطب الشمالي، في العام 2007، كان رمزيًا، لكن الأهم هو تطوير قواعد ومعدات استراتيجية، ما يوسع مفهوم الجرف القاري ويمثل أداة قانونية وسياسية لتأكيد النفوذ الروسي من دون انتهاك النظام الدولي.
الصين لاعب مختلف تمامًا، يربك المنافسين؛ لأنه لا يعتمد على القوة العسكرية المباشرة. اهتمام بكين بغرينلاند ينبع من فهم عميق لطبيعة الاقتصاد العالمي المستقبلي. الموارد المعدنية النادرة في الجزيرة ليست مجرد ثروات خاملة، هي عناصر أساسية للصناعات التكنولوجية والطاقة الحديثة. السيطرة على هذه الموارد تعني التحكم في سلاسل التوريد العالمية، وليس احتلال الأرض، وهو ما يفسر القلق الغربي المتزايد.
الدانمارك في موقع بالغ الحساسية. بالنسبة إلى كوبنهاغن، غرينلاند ليست مجرد إقليم تابع، إنما ركيزة أساسية لمكانتها الدولية واستراتيجيتها في القطب الشمالي. الخطر الأكبر في تقديراتها لا يكمن في روسيا أو الصين بقدر ما يكمن في احتمال استقلال الجزيرة، والذي قد يغير موازين القوى في المنطقة، ويفتح الباب لإعادة توزيع النفوذ الدولي عبر اقتصاديات وموارد استراتيجية.
طرح الاستقلال الرومانسي لغرينلاند يجب أن يُفهم في سياق القدرة الاقتصادية والبنية التحتية المحدودة للسكان، فدولة صغيرة بعدد سكانها يقارب 60 ألف نسمة، تعتمد على الموارد، ستكون عرضة لتأثير القوى الكبرى مهما كانت نوايا نخبتها السياسية. في عالم تتحكم فيه الأسواق العابرة للحدود، السيادة تصبح أداة تفاوضية أكثر من كونها مضمونة بشكل مطلق. والاستقلال قد لا يكون نهاية التبعية، إنما هو إعادة تعريفها بصيغة أكثر تعقيدًا وأقل وضوحًا.
غرينلاند ليست حالًا استثنائية، هي نموذج مبكر لعالم يتغير مناخيًا واستراتيجيًا. هي اختبار لفكرة الدولة الصغيرة في مواجهة قوى كبرى لا تحتاج إلى الاحتلال المباشر للهيمنة، بل إلى الوقت والمال والتكنولوجيا، واختبار للغرب ذاته الذي يرفع خطاب السيادة والقيم؛ لكنه يتصرف بمنطق الجغرافيا الخام عندما تتعرض مصالحه الحيوية للتهديد.
في النهاية، الصراع على غرينلاند لا يدور حول جزيرة فقط، إنما على تعريف المستقبل: من يملك القدرة على تحويل المناخ إلى فرصة، والجغرافيا إلى أداة، والسيادة إلى عقد قابل لإعادة التفاوض. من يقرأ غرينلاند بهذه العين يدرك أن ما يحدث هناك ليس هامشًا في السياسة الدولية، هو أحد مراكزها الصامتة.