دموع الأسمر (صحيفة الديار)
تتميز مدينة طرابلس بهويتها وخصائصها الهندسية المعمارية التراثية التي تكاد تنفرد بها في حوض البحر المتوسط، وهي تعتبر المدينة المملوكية الثانية بعد القاهرة.
وتضم طرابلس بين شوارعها واحيائها كمًّا كبيرا من الابنية التراثية لا سيما في محيط قلعتها المعروفة عالميا بالقلعة الصليبية او قلعة سان جيل، فيما الواقع هي قلعة ترقى بتاريخها الى العصر الفينيقي حسب المكتشفات الاثرية فيها.
هذه المدينة، لا تزال تعاني من اهمال متعدد الاوجه لتراثها ولخصائصها الهندسية المعمارية، بل لتاريخها الموغل في التاريخ رغم مبادرات لبعض الجمعيات ومحاولات لمجالس بلدية، الا انها لم ترق الى مستوى حماية التراث فيها، وحماية المعالم الهندسية وتظهيرها كي تكون مدينة جاذبة لسياح العالم، بل تتعرض المدينة الى اهمال وتهميش متواصل منذ سنوات، اما لاسباب مالية واما لجهل وتجاهل لتراثها ولمعالمها المعمارية.
الاهمال اللاحق بالمدينة، ادى الى نتائج سلبية متعددة، ابرز هذه النتائج، ما تشهده بين حين وآخر من انهيار ابنية متصدعة، كألانهيار الذي حصل امس الاول في حي ضهر المغر بمحلة القبة، وهو حي يحوي عددا كبيرا من الابنية التراثية المتصدعة والمهددة بالانهيار في اي لحظة.
لعل الارادة الالهية والقدر حمى عشرات العائلات التي تقطن المبنى المنهار حيث خلت من الحادثة المرعبة من الخسائر البشرية، إلا انها اسفرت عن مأساة تشرد جديدة، وازمة مأوى لهذه العائلات في خضم الطقس العاصف، فجرى افتتاح ابواب المعهد الفندقي في الميناء لايواء العائلات المشردة، بعد قيام رئيس البلدية الدكتور عبد الحميد كريمة بزيارة الحي واجراء كشف على موقع الحدث المأساوي واجرائه اتصالات مع الوزراء المعنيين لايواء العائلات وبالتالي اجراء كشف على الابنية الاخرى المتصدعة في ذلك الحي حيث تبين وجود ما يقارب ال 38 مبنى متصدعا من الابنية التراثية في الحي المذكور.
حسب ما يطرحه متخصصون في التراث والهندسية المعمارية، وفي المقدمة البروفسور خالد تدمري ان ما جرى سابقا في معرض الترميم لبعض الابنية التاريخية ليس الا طمسا للتراث في ابنية واسواق طرابلس التاريخية وطمسا لهويتها ولخصائصها المعمارية دون مراعاة للبيئة ولحركة الهواء ولتلاعب النور والظل فيها.
ويقول اختصاصيون آخرون ان اضرار ايضا، وقعت بجدران هذه المباني التاريخية، وبالتالي فان اضافة طبقات حديثة عليها تحمل تلك الابنية التراثية اكثر من طاقتها على التحمل، عدا حجب الرؤيا بشكل غير قانوني عن المقيمين في الطبقات العليا.
وتشير مصادر محلية ان الفوضى المستشرية في المدينة ادت الى تشجيع "احتلال" الارصفة والطرقات في الاحياء التراثية حيث تتمدد البسطات أسفل تلك الأسقف الشنيعة فتبدو المدينة انها تخطو خطواتها دون رؤيا ودون تخطيط هندسي معماري يحمي تاريخها ومشهدها التراثي، خاصة في الاسواق التراثية من زقاق القرضاوية الملاصق لحمام النوري وصولا الى الجامع المعلق مرورا بسوق العطارين وسوق الخضر عند مسجد الطحام.
ما هو المطلوب؟
حسب الاختصاصيين في الهندسية المعمارية التراثية ان المطلوب وبشكل سريع:
-اولا، فتح ملف الابنية التراثية، وخاصة الابنية المتصدعة والآيلة للسقوط لترميها وفق الاصول الهندسية التراثية وحمايتها من الانهيار.
-ثانيا، اعادة دراسة ملف الابنية المتصدعة في كل انحاء طرابلس لحماية العائلات المقيمة فيها واتخاذ التدابير الكفيلة بمنع وقوع كوارث، ومنع اضافة طبقات جديدة على الابنية القديمة المتهالكة والتي تشكل احد اسباب بعض هذه الابنية.
-ثالثا، تكليف لجنة من المهندسين الخبراء لتأهيل وتظهير الابنية والشوارع التراثية وتحويلها الى مناطق سياحية تشكل عامل جذب للسياح، واتخاذ القرارات التي تحظر هدم تلك الابنية التراثية، بعد ازالة عدد من هذه الابنية في محلة التل كسينما الانجا على سبيل المثال، واعتبار هدم هذه الابنية مخالفات قانونية يعاقب عليها القانون.
ان طرابلس تحتاج الى رؤية جديدة تحافظ على التراث والثقافة فيها كي تبقى المدينة التراثية الاهم بين مدن البحر المتوسط.