اوراق خاصة

اعتقال مادورو إجراء استعماري لتكريس العولمة الأميركية- الصهيونية

post-img

د. زينب الطحان/كاتبة وأستاذة جامعية

لطالما لفتتني عبارة قالها، أكثر من مرة، المفكر الفلسطيني- الأميركي الراحل إدوار سعيد بــ"أنّ في العنف عجزًا سياسيًا".

إذا قرأت عن الإمبراطوريات الاستعمارية التي شهدتها الإنسانية عبر التاريخ؛ ستجد حتمًا أن القوي المتسلط حين يعجز عن إجبار الأضعف منه في التخلي عن بعض ما يملكه أو كل ما يملكه،ـ سواء بالتهديد أم الترغيب، يلجأ دومًا إلى الانحياز لسردية العنف الدموية؛ مسوّغًا فعله بتطويع الأصيل الآخر ليعرف مصلحة بلاده.

 لكنّ الأصيل أدرك، طوال تلك الحقب التاريخية، أن السلطة الإمبراطورية تعمل وفقًا لنموذج سيادي، فالملك يمتلك حق حياة رعاياه وموتهم. هذا النموذج كان يحمل تناقضاته الداخلية، فالمشهد العقابي كان يتحول إلى مساحة للمقاومة والتضامن الشعبي، والمُعاقَب يصبح بطلًا شعبيًا، حين كان يدفع الجماهير إلى التمرد على القسوة المفرطة.

تلك كانت المواجهة، والتي خلقها الوعي الإنساني بحقيقة قيم الحق والعدل؛ والتي بنيت من حساسيةَ المواجهة الثقافية والنضال الحركيّ؛ وهما مكوّنَان أساسِيَيان في حربُ سرديّات هدفها الهيمنة على الخطاب العام والتحكّم فيه. إذ لا يكتفي الاحتلال، بوصفه امتدادا للإرادة الكولونيالية، بالاستيلاء على الحيِّز الجغرافي لضحاياه، أيضًا يعمد إلى تطهير الرواية منهم، ما يستدعي إعادة كتابة قسريةٍ للتاريخ، مثلما للحاضر والمستقبل.

تزامنا مع حرب الإبادة الهمجية لتي تشنُّها "إسرائيل" على أبناء الشعب الفلسطيني من سكّان قطاع غزة، تستعر جبهة أخرى لا تقلّ شراسة عن القصف والتدمير هي حرب السرديّات، بما تنطوي عليه من مواجهات ثقافية ومعرفية وأخلاقية في ميادين السياسة والإعلام تُوظَّف فيها أسلحة التضليل وتحريف الواقع، ويُستعان فيها بالخوارزميات والذكاء الصناعي في ما يجوز وصفه بسياسة الاستعمار الرقمي التي تقوم على التلاعب بعواطف البشر وتوجيه مواقفهم إزاء ما يدور حولهم في عالم تتراجع فيه القيم على نحو يدفع إلى إعادة التفكير في جملة من المفاهيم التي كنا نعتقدها من المسلّمات.

الإمبريالية في وجهها الاقتصادي

صحيح أنّ تفكيك الاستعمار قد حقّق انتصارات على الإمبراطوريات التقليدية، غير أنّ الإمبريالية لمّا تنته بعد؛ فنحن نلحظ ادّعاءً دائمًا بأن الولايات المتحدة هي «حارسة الحضارة الغربية ووصيّتها». قدّم مؤرخو الثقافة الأميركيون دراساتٍ عديدة تكشف منابع الدافع نحو السيطرة على العالم، إذ يتبدّى هذا التوسّع الأميركي الاقتصادي بالدرجة الأولى معتمدًا اعتمادًا كبيرًا على منظومة من الأفكار والعقائد الثقافية المرتبطة بصورة أميركا عن نفسها.

هذا النظام الاقتصادي لا يمكن أن يستمرّ إلا بوجود معتقدات ورؤى شديدة الحيوية، لذلك ظهرت أطروحات فكرية؛ مثل نظرية صامويل هنتنغتون عن الصراع العدواني الحتمي بين الحضارات، وفكرة فوكوياما عن نهاية التاريخ بوصفها تكريسًا للعولمة الأميركية.

في كتابه البارز الثاني «الثقافة والإمبريالية» الصادر سنة 1993، قدّم سعيد نقدًا مباشرًا للمركزية الأوروبية ثم للإمبريالية الأميركية، كاشفًا النزعة الكولونيالية التي امتدّ أثرها إلى جهاتٍ أربع من العالم، ومؤكدًا أهمية التعددية الثقافية شرطًا لازدهار النزعة الإنسانية، والتي تقتضي الابتعاد عن أي ادعاءات بامتلاك رسالة حضارية تنطلق من تفوّقٍ عرقي أو تميّزٍ ديني؛ إذ ليست في حقيقتها سوى تسويغٍ مشوّهٍ للنزعات الاستعمارية ومشروعات الهيمنة الاستراتيجية على الجنوب والشرق.

لقد شكّلت الإمبريالية والاستعمار، في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، الركائز الأساسية التي رسمت خريطة العالم ومسار التاريخ البشري. من هذه البيئة التاريخية نشأت جذور الصهيونية السياسية التي عبّر عنها ثيودور هرتزل في كتابه «الدولة اليهودية». تاليًا، فإنّ فهم الصهيونية تقتضي فهم الإمبريالية التي تعاظم نفوذها في القرن التاسع عشر، ومعها فكرة العنصرية الملازمة لها.

يتناول إدوارد سعيد، وهو أحد أبرز مفكري القرن العشرين، في مقاله «الجذور الفكرية للإمبريالية والصهيونية»، أسباب صمت المثقفين الغربيين إزاء الإبادة الجماعية التي تمارسها الولايات المتحدة والغرب والصهاينة. ويقول سعيد: «أريد أن أشرح الجذور الفكرية للإمبريالية والصهيونية، لأنّ كليهما ما يزال يؤثر فينا، بوصفهما إرثًا من الفكر السياسي والثقافي في القرن التاسع عشر. ومن دون فهم كامل لهذا الإرث، قد نخطئ في الاعتقاد بأنّ العنصرية ظاهرة جديدة أو عابرة. سأوضح كيف تستمدّ الصهيونية والإمبريالية الإلهام من بعضهما بعضًا، وكيف أنّ كليهما يحتلان موقعًا مركزيًا في الثقافة السياسية والفكرية الغربية».

العلوم الاجتماعية الغربية وبذور العنصرية

يشير سعيد إلى أنّ العلوم الاجتماعية جرى توظيفها لتكون أداة لخدمة الإمبريالية، إذ يقول: «إنّ العلوم الاجتماعية هي الذراع الكشفية للإمبريالية، ومن الصعب فهم الإمبريالية والعنصرية التي انتشرت من أوروبا إلى العالم، من دون فهم نظام الفكر الغربي». يؤكد سعيد أنّ الإمبريالية فلسفة سياسية تقوم على التوسع وشرعنته، لافتًا إلى أبعادها الفلسفية والاقتصادية والعملية في سياق الإمبريالية الحديثة. كما يوضح أنّ التقسيمات التي كرّستها العلوم الاجتماعية، في القرن التاسع عشر، خدمت المشروع الاستعماري؛ فبينما قسمت هذه العلوم المجتمعات إلى متحضّرة ومتخلّفة، منحت الإمبريالية مشروعية تدمير المجتمعات التي صُنّفت «غير متحضّرة».

يقول سعيد إنّ الاستعمار الأوروبي الحديث واغتصاب أراضي الشعوب في أميركا وأفريقيا وآسيا انطلقا من الأسس الفكرية التي رسّختها هذه العلوم الاجتماعية. هو ينتقد العلاقة بين العلوم الاجتماعية والإمبريالية بقوله: «جرى تقسيم البشر إلى منتجين بيض متقدمين ومستهلكين سود في مرتبة دنيا، وقُسمت الأراضي إلى مناطق متحضرة وأخرى خالية يتم الاستيلاء عليها باسم حقوق الأوروبيين البيض».

كما يشير إلى أنّ الأفكار الداعية إلى حكم الأعراق غير الغربية أو تدميرها أو انتزاع أراضيها تشكّلت تحت لافتة العلم والثقافة والعقلانية. يؤكد شيوع هذه الأفكار بقوله: «حتى كارل ماركس، حين كتب عن الهند والاستعمار البريطاني، كان يرى أنّ الاستعمار البريطاني سيعود بالنفع على الهنود ويخلّصهم من التخلف الشرقي». يضيف سعيد: «كذلك، حين زار الشاعر الفرنسي لامارتين فلسطين وسوريا، في العام 1833، ورأى آلاف المدن والبشر، وصفها بأنها أراضٍ بلا سكان، ومدن بلا حدود، ومجتمعات بلا واقع».

في المحصّلة، يمكن القول إنّ الحجج التي استخدمتها الولايات المتحدة والقوى الإمبريالية والغربية الأخرى في ذبح الشعوب واحتلال البلدان، في أميركا وآسيا وأفريقيا، هي ذاتها التي تبنّتها الإمبريالية الأميركية في ذبح الشعوب وسرقة خيرات أراضيها. على مدى قرنين من الزمن، قدّمت العلوم الاجتماعية دعمًا فكريًا للقوى الإمبريالية والاستعمارية والصهيونية، الأمر الذي أدى إلى وقوع مذابح وحشية في مختلف أنحاء العالم. بسبب هذا المسار الفكري، باتت المجتمعات تشعر بالخجل من ثقافتها ودينها وعرقها ومنطقتها وتاريخها. كما يقول المفكر الفرنسي جان بودريار: «الحداثة هي خجل الإنسان من أصالته».

لذلك؛ لم التعجّب مما فعله دونالد ترامب باعتقاله رئيس سيادي منتخب ديموقراطيا في بلاده؟..

ترامب هذا الرئيس الاستعماري الذي يجدد قيم الإمبريالية التي حملها الأوروبيون حين غزوا قارة أميركا وقتلوا وأبادوا شعوبها الأصلية، بشعارات أنهم حاملو الحضارة والتمدن إلى شعوب هجمية. مع أن علم الأثار الانثروبولجي يؤكد أن الهنود الحمر كان لديهم شكل متقدم من الحضارة المختلفة عن الشعوب الأوروبية في ذلك الماضي الغابر.

 

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد