اوراق خاصة

مضيق هرمز.. ورقة إيران في الردع الاستراتيجي

post-img

معتز منصور / باحث سياسي

يمثل مضيق هرمز والمناطق البحرية المتصلة به شريان الطاقة العالمي وحزامًا استراتيجيًا حيويًا، لأي مواجهة محتملة مع إيران. يمر عبره نحو خمس صادرات النفط الخام العالمية، ما يجعل أي تهديد أو إغلاق جزئي للمضيق أداة ضغط قادرة على التأثير في الأسواق والسياسات الدولية من دون خوض مواجهة برية مباشرة.

هذه الأهمية لم تغب عن طهران، والتي استثمرت قدراتها البحرية والصاروخية بالإضافة إلى شبكة حلفائها الإقليميين في اليمن ولبنان والعراق لتعزيز نفوذها، ما يمنحها مرونة كبيرة في الرد على أي عدوان محتمل. السيطرة على المضيق، أو القدرة على تعطيل الملاحة فيه، تتحول إلى عامل ردع مركزي، في حين تمنح المناطق البحرية المحيطة، بما فيها الخليج العربي وبحر عمان، إيران مساحة لنشر قواتها وصواريخها الساحلية واستخدام حلفائها المحليين، ما يحوّل أي مواجهة محتملة إلى صراع متعدد الجبهات يعتمد على السيطرة على خطوط الملاحة الحيوية.

تمتلك إيران بنية بحرية وصاروخية مصممة خصيصًا لبيئة المضيق، أي الممرات الضيقة والكثافة الملاحية العالية، حيث يتركز التهديد على ما تصفه مراكز الدراسات الغربية بعقيدة "المنع البحري غير المتكافئ".

تعتمد هذه العقيدة على ثلاثة أعمدة: الصواريخ الساحلية المضادة للسفن، الزوارق السريعة الهجومية، الانتشار غير المركزي للقوات على طول الساحل وفي الجزر القريبة من المضيق.

على مستوى الصواريخ، تمتلك إيران صواريخ كروز مضادة للسفن من طراز "قدر" و"غدير"، بمديات بين 200 و330 كيلومترًا مع رؤوس حربية قادرة على إلحاق أضرار جسيمة بالسفن التجارية وناقلات النفط. كما يمكن إطلاقها من منصات برية متنقلة ما يزيد من قدرة إيران على البقاء والردع. كما أدمجت صواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى لتوسيع نطاق الردع نحو الموانئ والبنى التحتية، ما يجعل أي مواجهة مرتبطة بحسابات إقليمية أوسع.

تعتمد القوة البحرية للحرس الثوري على الزوارق السريعة المسلحة بالصواريخ والطوربيدات وفقًا لتكتيك الأسراب"، أي الهجوم المتزامن من اتجاهات متعددة ضد هدف واحد أو عدة أهداف في ممر ضيق. هو أسلوب يزيد من تكلفة أي مواجهة، ويخلق حالًا مستدامة من عدم اليقين عند شركات الشحن والدول المستهلكة للطاقة. كما توفر الجزر القريبة من المضيق، مثل قشم وأبو موسى وطنب الكبرى والصغرى، نقاط مراقبة ومنصات صاروخية ومنصات إنذار مبكر، تمنح طهران عمقًا عملياتيًا فعالًا للتحكم بمسارات العبور وإدارة التصعيد خطوة بخطوة من دون الدخول في مواجهة شاملة.

هذه القدرات ليست أدوات دفاعية فقط، هي تشكّل عناصر أساسية في استراتيجية الردع الإيراني التي تتيح الانتقال من مجرد التهديد السياسي إلى التحرش البحري، ثم التعطيل الجزئي، وتوسيع نطاق الضغط عبر ساحات إقليمية أخرى عند الحاجة.

فرص إيران في السيطرة على المضيق تتجاوز البعد العسكري لتشمل أبعادًا سياسية واقتصادي. إذ إن القدرة على تعطيل الملاحة تتحول إلى أداة تفاوض قوية على مستوى العقوبات والسياسات الدولية، في حين يشكل أي تهديد جزئي وسيلة ضغط دائمة تجعل القوى الإقليمية والدولية تعيد حساباتها قبل أي خطوة تصعيدية. الانتشار العسكري يوفر حزامًا دفاعيًا يربط الساحل الشرقي للخليج بالمحيط الهندي، ويتيح لإيران التحكم في عمليات التجارة البحرية، ويزيد من قدرة الدفاع عن نفسها. كما أن التعاون مع حلفائها المحليين في عدة محاور، في الوقت نفسه، يجعل مواجهة طهران مهمة معقدة ومكلفة.

غير أن هذه الأداة الاستراتيجية الإيرانية تأتي مع مجموعة من المخاطر، فإغلاق المضيق أو أي تهديد مستمر قد يؤدي إلى مواجهة دولية مباشرة تشمل تدخل الولايات المتحدة أو تحالفات بحرية متعددة الجنسيات. إذ إن أي تصعيد عسكري محتمل سيؤثر فورًا في أسعار الطاقة، ويضع الاقتصاد الدولي تحت ضغط كبير، ما يضطر اللاعبين الدوليين إلى موازنة الضغط الإيراني مع تجنب كارثة اقتصادية. الاعتماد على حلفاء إقليميين يزيد احتمالية نشوء صراعات غير مباشرة قد تتحول إلى مواجهات مفتوحة، ما يجعل أي مواجهة محلية نزاعًا إقليميًا واسعًا يمتد من الخليج إلى بحر عمان وربما أبعد.

السيناريوهات الاستراتيجية تتراوح بين التحكم الجزئي، والذي يسمح لطهران بفرض تهديد محدود من دون إغلاق كامل، ما يحافظ على الضغط السياسي ويقلل المخاطر العسكرية المباشرة، والإغلاق الكامل الذي يمثل تصعيدًا كبيرًا قد يؤدي إلى مواجهة مباشرة مع القوى الكبرى، وتحول المنطقة إلى مسرح صراع متعدد الجبهات.

في الوقت ذاته، يعتمد التوازن الإيراني على استراتيجية ديناميكية تجمع بين القدرات البحرية والصاروخية واستغلال حلفائها لتحقيق ردع دائم مع الحفاظ على مرونة سياسية ودبلوماسية. هذه المرونة تجعل إيران قادرة على إدارة النزاع بطريقة تؤكد سيطرتها على خطوط الملاحة الحيوية، مع الاحتفاظ بخيار الردع أداة استراتيجية توازن بين المخاطر والفوائد.

في الخلاصة :

يشكل مضيق هرمز والمناطق البحرية المحيطة به محور قوة استراتيجي لإيران، يعتمد على توازن دقيق بين القدرات العسكرية وتعاون حلفائها الإقليميين وإدارة التهديد السياسي الدولي. السيطرة على هذه المنطقة، أو القدرة على تعطيل الملاحة فيها، تمنح طهران أداة استراتيجية قوية للضغط على القوى الإقليمية والدولية، لكنها في الوقت نفسه تفرض إدارة دقيقة للمخاطر، إذ أي خطوة متهورة قد تفتح الباب على صراع إقليمي واسع يهدد الاقتصاد العالمي والاستقرار الدولي، في حين الاستخدام الذكي لهذه الأداة يعزز قدرة إيران على الردع وتحقيق أهدافها السياسية والاستراتيجية من دون خوض مواجهة برية مباشرة.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد