وسام مصطفى (سفير الشمال)
الركام في لبنان – سواء جاء نتيجة “إرهاب الدولة” الذي تمارسه “إسرائيل” بحق المناطق اللبنانية الصامدة أو نتيجة “إهمال الدولة” الذي مارسته الحكومات المتعاقبة بحق المناطق اللبنانية المحرومة ولا سيما في الشمال والبقاع – ليس مجرد أسقف منهارة وجدران محطمة وحجارة مكدّسة وشظايا زجاج منكسر؛ إنه في حقيقته تجسيد لتفتّت القيم وانفراط العقد الاجتماعي الذي لطالما أمل اللبنانيون أن يؤسس لانتماء وطني شامل في ظل نظام عادل يؤمن الإنماء المتوازن دون تفرقة أو إجحاف.. وحين تنهار الجدران، تنكشف الهوية الوطنية أمام تساؤل جوهري: هل أضحى اللبنانيون جماعات متنافرة بهويات متناقضة تعيش رهاب قبول الآخر!؟ أم أنهم ما يزالون شعباً يتوق إلى التفيء بمظلة واحدة ويلتقون على مشروع بناء الوطن الواحد!؟
قد يقال مجافاة للحقيقة وتسويغاً للخطأ إن الأحزاب اللبنانية كانت العنصر الأساسي في ضرب مشروع الدولة وإنها استمدت قوتها وحضورها من خلال لعب دور “الدولة البديلة”، خصوصاً عبر توفير شبكات أمان مالي واجتماعي وصحي وتعليمي، ما جعل ارتباط الناس بالأحزاب أقوى من ارتباطهم بالدولة ومؤسساتها، ومن الطبيعي في هذه الحال أن يكون ولاء الناس للأحزاب دون الدولة..
هذا الكلام صحيح من حيث المبدأ وهو الأصل الذي يجب أن تبنى عليه الأوطان ويؤسس به للهوية والانتماء الوطني، ولكن وبقطع النظر عن شرح تاريخية وجود الأحزاب في العالم ودورها في تشكيل الأنظمة الحاكمة وأهميتها في تشكيل الوعي الجمعي لدى الشعب وأحقّية تشكّلها وتمثيلها السياسي والثقافي والأيديولوجي، فإن المشكلة الحقيقية دائماً وعلى مدى سنوات عمر الدولة اللبنانية كانت تكمن في بنية الدولة نفسها سواء في غياب السيادة والاستقلالية في القرار الوطني، و/ أو في تأثرها بالمعادلات الدولية والإقليمية وعوامل الضغط والنفوذ في الداخل والخارج.
لا بد في هذا السياق من استحضار أزمة العام 2019 وهدفها الأساسي في إسقاط كيانية الدولة وشيطنتها لمصلحة ما يسمّى منظمات “المجتمع المدني” تحت شعار تغيير النظام والسيادة، وكان من أهم أدوات هذه الأزمة تشديد الحصار الخارجي وخنق الاقتصاد الوطني وإسقاط العملة اللبنانية، ما تسبّب بذوبان رواتب العاملين في القطاعين العام والخاص ولا سيما في الأجهزة الأمنية والعسكرية، فضلاً عن المشاكل الاجتماعية والمالية التي عصفت بمفاصل لبنان كلّه، وهو ما جعل البلد مكشوفاً سياسياً ومالياً وأمنياً دون توفير أي قدرة حقيقية للدولة ومؤسساتها على النهوض، وكلّ ما جرى كان مرسوماً بدقة وفق سيناريو محبك بهدف إيصال لبنان إلى ما هو عليه اليوم بحيث يصبح جاهزاً لتقبّل أي صيغة تسوية سياسية حتّى لو كانت بعنوان “السلام مع إسرائيل”، وحتى لو كان الثمن تسليم المقاومة لسلاحها وإبقاء البلد خالياً من أي مقوّمات دفاع وحماية.
إن الدولة اليوم تحتاج إلى الدعم الشامل للنهوض شعبياً وسياسياً وحزبياً من أجل إعادة بناء هياكلها البالية واستعادة سلطتها الإدارية والقضائية وبسط سيطرتها العسكرية والأمنية على كامل الأراضي اللبنانية، وهذا حقّ طبيعي لأي دولة قادرة على حماية شعبها وأبنائها جميعاً وبدون استثناء أو تفرقة أو تمييز، وتوفير مقوّمات العيش الكريم وتأمين السلامة الكاملة لهم من أي خطر داخلي أو خارجي، وحفظ الأرض والثروات الوطنية والحدود من أي عدوان في البر والبحر والجو والفضاء السيبراني والتكنولوجي، وأن تكون هذه الدولة في الأساس حائزة على إجماع وطني داخلي، فلا يأتي وزير أو نائب من هنا أو رئيس حزب أو “ناشط” من هناك ليستقوي بأمريكا و”إسرائيل” ضد دولته بمؤسساتها وجيشها وضد شركائه في الوطن، ولا أن يبني هؤلاء رؤيتهم لمستقبل لبنان وفق سيناريوهات معلّبة وموزّعة على كلّ إملاءات وتوجيهات.
إن المشكلة اللبنانية تتجسّد بشكل أساسي في وجهين، الأول: الضغط الخارجي على الموقف اللبناني الرسمي بما يمنعه من اتّخاذ قرارات سيادية وفي كثير من الأحيان الدفع باتجاه تنازلي يفرّط بالسيادة اللبنانية ويكشف البلد بنزع مكامن قوته واقتداره، والثاني: إيغال بعض الأطراف في توهين البلد وضرب أي مسعى للتلاقي والحوار إلى حد استغلال مواقع رسمية كوزارة الخارجية لإطلاق تهديدات لها طابع ""إسرائيلي"" بحق مؤسسات كبرى وحيوية كمطار بيروت الدولي!! ومن الخطأ الجسيم تصنيف هذه المواقف في خلفية حزبية ضيقة معروفة باتجاهاتها وتبعيتها للخارج، فهي مواقف مقصودة ومخطط لاستغلالها على لسان وزير معني بإعلان الموقف السياسي الرسمي للدولة في المحافل والمناسبات الدولية، ولكن ما يقوم به الرجل لا يتوافق مع مهامه الموكل بها، بل يندرج في سياق توهين الدولة وتصويرها على أنها كيان مشتّت، وهذا معدن أزمة الهوية اللبنانية.