اوراق خاصة

الأمريكيون والاستثمار بالفوضى

post-img

معتز منصور/ باحث سياسي

كل تحرك شعبي في منطقتنا، من تونس ومصر إلى سوريا وليبيا وصولًا إلى إيران اليوم، لا يمكن فهمه بمعزل عن الصراع المركزي مع مشروع الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية.

منطلقنا في قراءة هذه التحركات ليس مجرد دراسة سوسيولوجية أو تحليل سياسي موضوعي، هو موقف استراتيجي واضح: دعم المقاومة والأنظمة الحليفة لها هو البوصلة التي تحدد معنى كل حدث وكل رمزية للنخبة المحلية، وتفرق بين ما هو حركة شعبية حقيقية تصون السيادة الوطنية، وما هو تحرك صُمم لاستغلال الغضب الشعبي لتفكيك الدولة أو تفكيك محور المقاومة.

من هذا المنظور، تصبح أي موجة احتجاجية اختبارًا مباشرًا لقدرة الأنظمة الحليفة على الصمود أمام تدخلات خارجية دقيقة ومتعددة الأدوات، ثم توجيهها نحو أهدافها الاستراتيجية من دون الانجرار إلى الفخاخ الأمريكية التي تهدف إلى تفكيك الدول وإضعاف محور المقاومة.

في تونس، بدأت الشرارة الاحتجاجية، في ديسمبر/كانون الأول 2010، مع سقوط بوعزيزي، لكنها لم تكن مجرد حراك شعبي ضد البطالة والفساد، كانت لحظة صراع على قراءة السلطة والسيادة. الولايات المتحدة ودول الغرب لم تتعامل مع الحركة الشعبية بوصفها مطلبًا اجتماعيًا فحسب، هي رأتها فرصة لإعادة هندسة التوازنات السياسية بما يضمن استمرار نفوذها في المنطقة.

دعم المنظمات المدنية وبرامج التدريب للشباب والاتصال بالشبكات الإعلامية الدولية كان جزءًا من استراتيجية دقيقة لتوجيه الحراك الشعبي نحو إصلاحات سطحية وظيفية، من دون أن تمس جوهر السلطة أو تهدد مصالح الهيمنة الأمريكية. هذا التوظيف الذكي لم يكن عدائيًا بشكل مباشر، لكنه أعاد إنتاج هيمنة غربية على المستوى السياسي والإعلامي، وهو ما يوضح الفرق بين الدول التي يمكن احتواؤها عبر التوجيه الرمزي والدعم الجزئي، والدول التي تقع ضمن محور مقاومة حقيقي.

مصر أظهرت نموذجًا مشابهًا؛ لكنه أكثر تعقيدًا بسبب الوزن السياسي للنظام المصري في المنطقة. الاحتجاجات، في يناير/كانون الثاني 2011، كانت واسعة، لكن التحليل المنهجي يظهر أن الولايات المتحدة لم تترك الأحداث للصدفة. وسائل الإعلام الرقمية والإقليمية أسهمت في تضخيم الاحتجاجات، في حين كانت النخب الشبابية المدعومة ماليًا وسياسيًا بمثابة أدوات لتوجيه الزخم الشعبي. هذا ما جعل الحراك الشعبي يتحرك ضمن مسارات محددة، من دون أن يفضي إلى انهيار الدولة أو تعطيل محورها الاستراتيجي بالكامل. هذه الحيطة الأمريكية لم تكن من باب الخير أو الديمقراطية، لقد كانت لضمان أن مصر، على الرغم من تبدل القيادة، تبقى دولة وظيفية ضمن شبكة النفوذ الأمريكي.

ليبيا مثلت حالاً أكثر عدوانية، حيث كان النظام خارج الطاعة الكاملة للهيمنة الغربية؛ لكنه لم يكن جزءًا من محور المقاومة، ما دفع واشنطن وحلفاءها إلى الجمع بين التحريك الرمزي ودعم عسكري محدود لإسقاط القذافي. النتيجة كانت تدمير الدولة وإدخالها في فوضى مستدامة، ما خدم هدف منع تشكل أي سلطة مستقلة قادرة على اتخاذ قرار سيادي، ويعكس بوضوح أن التوظيف الأمريكي للتحركات الشعبية لا يهدف دائمًا للإصلاح، بل لإعادة هندسة السلطة بما يخدم مصالح الهيمنة. في هذه الحال، تظهر حدود الدعم الأمريكي المباشر، إذ يقتصر على أدوات الضغط والتحريك المحدود، مع ترك المجال للفوضى لتصبح هي النتيجة النهائية.

سوريا أظهرت بعدًا أكثر تعقيدًا، فقد جاءت الاحتجاجات الشعبية ضد نظام بشار الأسد، في العام 2011، لتتقاطع مع مشروع أمريكي-إسرائيلي واسع يهدف إلى استنزاف محور المقاومة وتفكيك قدرات الدولة على لعب دور إقليمي مؤثر. الدعم الأمريكي للفصائل المعارضة لم يقتصر على التمويل أو الإعلام، لقد امتد إلى عسكرة الصراع، مع محاولات لتوجيه الغضب الشعبي ضد الدولة ومحور المقاومة، في حين تدخلت روسيا وإيران بشكل مضاد لدعم النظام وحمايته من الانهيار.

هذا التوازن أظهر أن نجاح استراتيجية التوظيف الأمريكية مرتبط دائمًا بمستوى تماسك محور المقاومة وقدرته على الصمود أمام الضغوط، وأن أي محاولة لتوظيف الاحتجاجات ضد نظام مقاوم يمكن أن تفشل إذا كانت قوة المقاومة حاضرة وفاعلة.

اليوم في إيران، نشهد اختبارًا استثنائيًا لقدرة النظام على الصمود أمام موجات الاحتجاج المرتبطة بانهيار اقتصادي شامل وتدهور القدرة الشرائية. الولايات المتحدة لا تنظر إلى هذه الاحتجاجات بوصفها مطالب اجتماعية بحتة، هي تراها فرصة تاريخية لاختبار قدرة محور المقاومة على الاستجابة والاحتواء، واختبار فعالية أدواتها في توجيه الغضب الشعبي لتفكيك الدولة أو على الأقل تقويض دورها الإقليمي. مراقبة الحركة الشعبية ودعم الرموز والنخب المحلية القابلة للتوجيه واستخدام الإعلام الرقمي والتحليلات المعلوماتية لتشكيل مسارات الاحتجاج بما يخدم مصالحها، كلها أدوات تندرج ضمن استراتيجية أمريكية دقيقة تستغل الأزمة الداخلية لتحقيق أهداف جيوسياسية. العقوبات الاقتصادية والضغط السياسي لا تهدف للإصلاح، إنما لخلق حال مستمرة من الاحتقان تسمح بتوظيف الاحتجاجات ضد الدولة، مع اختبار قدرة محور المقاومة على الصمود في مواجهة هذه الضغوط المركبة.

من هذا المنطلق؛ يصبح من الواضح أن أي تحليل للتحركات الشعبية لا ينطلق من دعم المقاومة والأنظمة الحليفة لها هو تحليل مبتور. الولايات المتحدة تتعامل مع الثورات على أنها أدوات للهيمنة، وتحركها بناءً على موقع الدولة في محور الصراع؛ وليس على حجم المعاناة أو مطالب العدالة. في حين دعم المقاومة يقتضي فهم التحركات الشعبية بوصفها اختبارًا لقدرة الأنظمة الحليفة على الصمود أمام تدخلات خارجية، مع حماية السيادة الوطنية وإعادة توجيه الغضب الشعبي ما يعزز قوة الدولة والمحور المقاوم.

إن كل موجة احتجاجية، مهما بدت محلية، هي في جوهرها اختبار لقدرة المحور المقاوم على حماية نفسه، وتوجيه طاقات المواطنين بما يخدم الاستقرار والقدرة الاستراتيجية، من دون الانجرار إلى مشاريع تفكيك الدولة التي تمارسها القوى الغربية.

يتضح من هذه التجارب كلها، من تونس ومصر إلى ليبيا وسوريا وإيران، أن الولايات المتحدة لا تصنع الثورات، لكنها تتحكم في استثمارها وتوظيفها، في حين المقاومة والأنظمة الحليفة لها هي الخطوط الأمامية التي تحدد ما إذا كانت هذه التحركات ستظل أدوات لإعادة التوازن لمصلحة الهيمنة أو أدوات للصمود الوطني والإقليمي. أي فهم للثورات الشعبية خارج هذا الإطار يكون ناقصًا، لأنه يتجاهل الصراع الأكبر الذي تدور في فلكه كل حركة شعبية في منطقتنا، ويغفل أن البوصلة الاستراتيجية الوحيدة لفهم هذه التحركات هي دعم محور المقاومة وحماية الأنظمة الحليفة له.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد