حسين كوراني
بعد تصاعد وتيرة التهديدات الأميركية بتوجيه ضربة ساحقة الى إيران بحجة دعم المحتجين، وما قابله من موقف إيراني حازم بـ"رد مدوي ومزلزل" على كل القواعد الأميركية في المنطقة والكيان الصهيوني في حال تعرضت أراضيها للقصف، تراجع الحديث عن تنفيذ هذه الضربة في الوقت الحالي، وقد عبّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن ذلك بقوله: إن "إيران أوقفت قتل المتظاهرين.. وليس من المؤكد أنها قامت بإعدامات".
وسط أجواء من الغموض لفّت المنطقة، هدأت الاحتجاجات في إيران، فيما لاذ الرئيس ترامب بالصمت، وذلك بعد اجتماعه إلى فريقه للأمن القومي، والذي تمّ خلاله عرض خيارات لـ"الوفاء" بوعد الرئيس "دعمَ" المحتجّين الإيرانيين، راوحت بين حدَّي ضرب أهداف نووية وعسكرية، وهجمات سيبرانية دون مستوى الحرب المباشرة. وبينما أظهر ترامب، قبل الاجتماع، استعداداً واضحاً للذهاب نحو ضربة عسكرية بدت حتمية، خصوصاً بعد دعوته الإيرانيين إلى السيطرة على مؤسسات الدولة، مبشّراً إيّاهم بأن "الدعم آتٍ"، فقد خفتت نبرته العالية بعدها بساعات، حين وجّه رسالة إلى القيادة الإيرانية، قال فيها إن "عليهم إظهار الإنسانية"، آملاً في "ألّا يلجؤوا إلى قتل الناس، فهم يواجهون مشكلة كبيرة. يبدو لي أنهم أساؤوا التصرّف بشدّة، لكن ذلك غير مؤكّد".
ويكشف هذا انقسام فريق ترامب في شأن الضربة العسكرية ضدّ الجمهورية الإسلامية، وفق ما أفادت به مصادر أميركية لشبكة «سي إن إن»، في حين نقلت صحيفة «واشنطن بوست» عن مقرّبين من البيت الأبيض، قولهم إن ترامب «بدا أقلّ يقيناً في المداولات الخاصة في شأن إيران»، ووصفه بعضهم بأنه «أقلّ حماساً» لتوجيه ضربة ممّا كان عليه عشيّة استهداف المنشآت النووية الإيرانية في حزيران من العام الماضي، إبّان حرب الـ12 يوماً.
مع هذا، يبدو أن الاستعدادات تتواصل تحسُّباً لأيّ ضربة محتملة، إذ نقلت صحيفة "نيويورك تايمز" عن مسؤولين عسكريين أميركيين، قولهم إن "حاملة الطائرات روزفلت دخلت أخيراً مياه البحر الأحمر"، لتنضمّ إلى غواصة وثلاث مدمّرات عسكرية مزوّدة بالصواريخ موجودة حالياً في منطقة الشرق الأوسط، مؤكدةً أن وزارة الحرب (البنتاغون) عرضت أمام الرئيس الأميركي خيارات لأهداف في إيران تشمل برنامجها النووي ومواقع الصواريخ، وأيضاً هجوماً إلكترونيّاً وضرب جهاز الأمن الداخلي الذي "يقمع الاحتجاجات".
و"المعضلة" التي تواجهها الاستراتيجية الأميركية تجاه طهران لا تتمثّل، حالياً، بعدم القدرة على تنفيذ عمل عسكري، بل بـ«الأهداف» التي قد تلي أيّ عملية محتملة، بل والأخطر من ذلك أن تؤدي الضربة الأميركية الى نشوب حرب شاملة، ويلجأ على إثرها الحرس الثوري الإيراني الى اشعال المنطقة برمتها وإغلاق مضيق هرمز واستهداف عمق الكيان الصهيوني كما حصل في حرب حزيران 2025.
هذا بالإضافة إلى أن لإيران تاريخاً طويلاً في التكاتف لمقاومة الغزو الأجنبي، ما قد يؤدي إلى «نتائج عسكية»، وبالتالي، تعزيز قبضة الحكومة في طهران على السلطة. ومن هنا، يرى العديد من المراقبين، بأنه وقبل الإقدام على أي مغامرة، يتعيّن على واشنطن تحديد "هدف نهائي".
وفي مقابل الاستعدادات الأميركية تؤكد ايران قدرتها على "إفشال مخطّطات حكّام البيت الأبيض وتل أبيب"، وفق ما أعلنه القائد العام للحرس الثوري محمد باكبور، جازماً أن "الحرس يقف في ذروة الاستعداد للردّ القاطع على أيّ سوء تقدير من جانب العدو".
وفي الأيام الماضية، أطلق العديد من الخبراء تحذيرات من «تبسيط» الواقع الإيراني من خلال الاعتقاد بإمكانية تكرار نموذج فنزويلا، واستهداف «رأس الهرم» في البلاد. وطبقاً لهؤلاء "النظام السياسي في فنزويلا ليس أمنياً أيديولوجياً وعابراً للحدود الوطنية كما هو الحال في إيران.. ففهم الحرس الثوري، وفيلق القدس، وأجهزة الاستخبارات الموازية، وشبكة من الجماعات المسلحة في مختلف أنحاء المنطقة، باعتبارها بنية سلطة واحدة متشابكة بإحكام"، ما يجعل "من غير المرجّح أن يغيّر رحيل المرشد الأعلى من هذه البنية الحيّة، ناهيك عن تفكيكها".