جعفر سليم/كاتب لبناني
صيدا مدينة لبنانية عريقة، بأهلها وأثارها وتراثها العربي والإسلامي، هي شقيقة مدينة عكا الفلسطينية المحتلة وفيها من روح مدينة الإسكندرية المصرية، نظرًا إلى العلاقات التي ترتبط عوائلها بصلة الرحم والمصاهرة. القاسم المشترك في أسماء العائلات ذاتها؛ حتى اسم العائلة يدل على المدينة التي قدم منها؛ مثل عائلة المصري والفيومي وإسكندراني، وغيرهم كثر.
في مفكرة صيدا المقاومة كثير من المحطات النضالية وغنية بأسماء لشخصيات صيداوية؛ كان لها دور بارز في مقاومة الاحتلال. هي مدينة أصولها ثابته في رفض الظلم من أي جهة أتى. فيها تنوع غني من مختلف الطوائف والمذاهب، ولهم دور رائد في نهضة المدينة، تجاريًا واقتصاديًا، إضافة الى مواقف البطولة والتضحيات.
ﻻ يمر يوم، من شهر وسنة منذ مئات السنين، على مدينة صيدا إلا وفيه ذكرى لمحطة وطنية تعكس قبسات من نضال أبنائها والجوار من التصدي للاعتداءات التي توالت عليها؛ وصولًا إلى الاعتداءات الصهيونية على المدينة وأهلها منذ العام 1948 وصولًا إلى الاجتياح في العام 1982، ووقوف أبنائها الوطنيين معًا ضد الاحتلال بعد دخوله مدينتهم، في المرحلة الممتدة من حزيران العام 1982 إلى شهر التحرير في شباط من العام 1985.
بدأ شبان صيدا الشرفاء، من مختلف التوجهات السياسية القيام بعمليات عسكرية، وكانت هوية تلك العمليات غير مكشوفة. استمر العمل من دون قرار مركزي لمدة قصيرة، حين انطلق العمل تحت أسماء متعددة؛ ومنها جبهة المقاومة اللبنانية "جمول" والمقاومة الإسلامية.
في تلك المرحلة؛ بدأ يبرز نشاط للعملاء، ففي 15 أيلول اغتيل المقاوم سليم حجازي على أيدي عناصر من مليشيا القوات اللبنانية العميلة للاحتلال الصهيوني، في صيدا القديمة، والتحق به الشهيد بلال عزام خلال مواجهة مع عناصر من الميليشيات التي عاثت في اﻷرض فسادًا، في مرحلة من أصعب المراحل التي عاشتها صيدا ولبنان بشكل عام.
في 16 أيلول 1982؛ أعلن انطلاق جبهة المقاومة الوطنية "جمول" وانخراط شبان صيدا مع رمز من رموزها؛ وهو مصطفى معروف سعد المصري في العمل ضد العدو الصهيوني. في 14 تشرين الثاني من 1983 نفذ حسن صالح عملية هجومية بالقنابل اليدوية على دورية للعدو، عند جسر الأولي ليرتفع بعدها شهيدًا.
في كانون الأول من العام 1983؛ كانت عمليات المقاومة قد وصلت إلى ذروتها، بعد أن تحول خريف ذلك العام في أيلول وتشرين الأول وتشرين الثاني إلى شهر العبوات الناسفة، فاعترف خلاله الصهاينة بمقتل أكبر عدد من ضباطهم وجنودهم خلال دورياتهم المتنقلة أو في أماكن تمركزهم.
دفعت كثافة تلك العبوات الناسفة الى تكثيف عمل العملاء من مليشيا القوات اللبنانية، ما أدى الى كشف أحد الأماكن التي كان يرتادها جمال الحبال، وهو منزل محمد علي الشريف الكائن في أحد بساتين منطقة القياعة على طريق النافعة، فحشدت قوة عسكرية صهيونية توجهت الى ذلك المنزل، بعد منتصف ليل 26-27 كانون الأول، ودارت اشتباكات عنيفة ارتفع فيها الشهداء محمد علي الشريف ومحمود عثمان زهرة وجمال حسين الحبال.
مع استشهاد جمال حبال ورفاقه؛ اعتقل عدد كبير من أبناء صيدا؛ أبرزهم الراحل الشيخ محرم العارفي ونقلوا إلى معتقل أنصار، ثم إلى سجون الاحتلال في فلسطين المحتلة. في 29 كانون أول 1983، اقتحمت قوات الاحتلال الصهيوني منزل المفتي الشيخ محمد سليم جلال الدين واعتقلت نجله، وذلك لإصرار سماحته على إقامة مراسم التشييع للشهيدين الحبال والشريف وزهرة. كما كان لفتى صيدا البار نزيه قبرصلي بصمته الخاصة في العمليات الفدائية؛ حيث نفذ عمليته في 18 كانون الثاني من العام 1984؛ حين هاجم جيبًا للاحتلال قرب قلعة صيدا متسلحًا ببندقية كلاشينكوف؛ فقتل ضابطًا وجرح 3 جنود قبل أن يستشهد، العملية أصابت جنود الاحتلال بصدمة فأجبرتهم على الحد من تحركاتهم.
في 27 شباط 1984؛ اشتبك البطل بشير محي الدين الأتب مع العدو قرب سينيق؛ حتى آخر رصاصة، قبل أن يرتفع شهيدًا. في نيسان 1984؛ اقتحمت قوة من جيش الاحتلال منزل طبيب الفقراء الدكتور نزيه البزري في صيدا.
في يوم 16 شباط من العام 1985؛ محطة مهمة في تاريخ مدينة صيدا والجوار، فقد انسحبت قوات الاحتلال تحت ضربات المقاومة، تجر وراءها أذيال الهزيمة تاركة عدد من العملاء لم يصمدوا طويلًا، ففي 29 نيسان 1985 حررت مدينة صيدا لتنضم الى مدينتي النبطية وصور في التحرير الكامل.
إلا أن أبناء صيدا والمقاومة استمروا في العمل المقاوم لتطهير شرق صيدا من عملاء ما يسمى "جيش لبنان الجنوبي" ومليشيا القوات اللبنانية، فانضم الى قافلة الشهادة أسماء من مختلف الفصائل اللبنانية والفلسطينية الطوائف والمذاهب، ومنهم: الشهداء عبد الحليم صفدية، حسن فرحات، خليل شعبان، أحمد اليمن، والشهيد محمد خليل من منطقة الطريق الجديدة في بيروت. وتخلل عملية التحرير محاولة اغتيال المناضل مصطفى معروف سعد في 21 كانون الثاني من العام 1985 على يد مليشيا العملاء، أدت إلى فقدانه بصره واستشهاد ابنته ناتاشا مع المهندس محمد طالب.
كما تجدر الإشارة إلى تعرض الدكتور نزيه البزري لمحاولة اغتيال استهدفته بتفجير عبوة ناسفة؛ وضعت في عيادته في بمدينة صيدا في 15 أيلول من العام 1987؛ فأسفرت عن إصابة 5 مرضى.
نستذكر مدينة صيدا، اليوم، والتي تقف كقلعتها الرابضة على شاطىء البحر المتوسط، صامدة مقاومة في مواجهة الأمواج العاتية.. وهي بتاريخها النضالي والمقاوم لا تلين.. ولا تسلّم لمحتل أو غزاة.