وليد شرارة (الأخبار)
لم يخطئ الرئيس الإيراني الأسبق، محمد خاتمي، عندما رأى في تصريحه حول الاضطرابات في بلاده، أن هدف الجهات التي تقف وراء تلك الاضطرابات ليس إسقاط نظام إيران الإسلامي فقط، بل تفكيكها وتدميرها. ذلك أن مراجعةً سريعة لتسلسل الأحداث الأخيرة وجغرافيّتها، وأيضاً ما سبقها في عام 2022، ستقود مباشرة إلى الاستنتاج أن التحالف الأميركي - الإسرائيلي - الغربي يعتمد استراتيجية إثارة الانقسامات الإثنية والطائفية في إيران، بغية دفع الأطراف إلى الانفصال عن المركز، وتفكيك وحدة البلد الترابية. سيسارع البعض إلى القول إن مثل هذا الكلام قد يصحّ بالنسبة إلى نوايا الحكومة الإسرائيلية الحالية، لكنه يتناقض مع التصريحات والمواقف العلنية للمسؤولين الأميركيين والغربيين الذين يدعون إلى الإطاحة بالحكم الإسلامي، مع الحرص على بقاء إيران موحّدة. كما يذهب هؤلاء إلى حدّ اعتبار أن ديناميات التقسيم على أسس إثنية وطائفية، في إيران وفي غيرها من دول الإقليم، ستنسف أسس الاستقرار في المنطقة، وهو ما يتناقض مع مصالح الولايات المتحدة ومساعيها لتأبيد هيمنتها عليها.
لكن مثل هذه الفرضيات تتجاهل الوقائع التي برزت في الميدان من جهة، ودخول الإمبراطورية الأميركية مرحلة تاريخية جديدة، مرتبطة بمسار انحدارها الذي لم يتوقّف، من جهة أخرى. دخول مجموعات مسلّحة على خطّ الاحتجاجات منذ أيامها الأولى، والإطباق السياسي والإعلامي الغربي على إيران لاتهام نظامها بـ«قتل شعبه»، والحشد العسكري الأميركي في جوارها، كلّها معطيات تكشف أننا أمام مخطّط معدٍّ سلفاً، يندرج في سياق الحرب الطويلة التي تُشنّ ضدّ الجمهورية الإسلامية، والتي تهدف في النهاية إلى القضاء عليها. قد يقع الصدام المباشر في الأيام القادمة، وقد لا يقع، لكن حدّة هذا الصراع التاريخي مرشّحة للتعاظم.
اختلفت جغرافيا الاحتجاجات الأخيرة في إيران عن تلك المعهودة في الماضي؛ فعادة ما كانت التحرّكات تنطلق من المدن الرئيسة، وكثيراً ما تنحصر فيها، قبل الامتداد في أحيان نادرة نحو الأطراف والأرياف. لكن ما حصل هذه المرة هو أن التظاهرات التي انطلقت من بازار طهران سرعان ما امتدّت إلى غرب إيران، وتحديداً منطقة كرمنشاه ذات الأغلبية الكردية وإلى مناطق طرفية أخرى، قبل أن تتّجه مجدّداً نحو المدن الكبرى. كذلك، لوحظ ظهور المسلّحين منذ الأيام الأولى للحراك، واشتباكهم مع قوى الأمن في أثناء التظاهرات، أو مهاجمتهم مواقعها واستهدافهم مساجد ومقامات، وتصويرهم لعملياتهم تلك. أيضاً، تسلّلت المجموعات المسلّحة، في ما بعد، إلى المدن الكبرى، واصطدمت مع القوى الأمنية، وهو ما يفسّر العدد الكبير من الضحايا. واللافت، إضافة إلى ما تقدّم، هو اعتراف مصادر إسرائيلية، كمراسل «القناة 14»، تامير مورال، في تغريدة على «X»، بأن «أطرافاً خارجية تقوم بتسليح المحتجّين في إيران، وهو ما سبّب سقوط مئات القتلى في صفوف القوات الموالية للنظام. الجميع أحرار في تخمين من يقف خلف ذلك». وكان وزير الخارجية التركي، حقان فيدان، قد اتّهم، من جهته، الاستخبارات الإسرائيلية بدعم وتسليح أطراف مشاركة في اضطرابات إيران، مشيراً إلى أن بعض المحسوبين عليها قد أقرّوا بذلك.
المساندة الإسرائيلية والأميركية للمجموعات الانفصالية الكردية والبلوشية والأهوازية ليست جديدة في الواقع، بل هي قائمة منذ عقود. تتمتّع التنظيمات الانفصالية الكردية، خاصة منها المتمركزة في شمال العراق، كـ«الحزب الديموقراطي الكردستاني» الإيراني و«منظّمة كومله» و«حزب بيجاك» وغيرها، بمثل هذه المساندة منذ الغزو الأميركي للعراق في 2003، وهو ما تطوّر باطّراد منذ ذلك التاريخ، في ظلّ تصاعد مستوى المواجهة مع طهران. وعندما وقعت احتجاجات في إيران في خريف 2022، على خلفية مقتل الشابة ذات الأصول الكردية مهسا أميني، وأداء التنظيمات الانفصالية الكردية لدور رئيس في تلك الاحتجاجات، ذهبت مجموعة من المحلّلين الأميركيين، في تقرير نُشر على موقع «معهد دراسات الحرب» في الـ10 من شهر تشرين الأول 2022، إلى أن موجة الاحتجاجات التي يشهدها هذا البلد، توفّر فرصة لاستقطاب الحركات الانفصالية في كردستان وسيستان - بلوشستان، لأعداد كبيرة من الأنصار في أوساط المحتجّين، وتصعيد عملياتها ضدّ الجمهورية الإسلامية. كما سارعت شبكة «سي أن أن»، في الـ19 من الشهر نفسه، إلى إعداد تقرير عن التحاق شابّات كرديات من إيران بالمجموعات الانفصالية المسلّحة المتمركزة في كردستان العراق للقتال في صفوفها.
بكلام آخر، لم يتغيّر المخطط الفعلي القابل للتنفيذ في نظر الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو استغلال التناقضات الاقتصادية - الاجتماعية والسياسية في إيران للتدخّل وإثارة انقسامات إثنية وطائفية فيها، تفضي إلى تفتيتها. والعامل الرئيس في رسوخ هذه المقاربة لدى هؤلاء، هو قناعتهم بوجود قاعدة اجتماعية وازنة موالية للنظام الإسلامي، تجعل من مشروع الإطاحة به انطلاقاً من المركز مهمّة شبه مستحيلة. وعليه، فالمطروح هو اتباع استراتيجية استنزاف طويلة الأمد لذلك المركز، وهو ما تمّ حتى الآن ومنذ زمن طويل، ومن ثمّ توجيه ضربة استراتيجية إلى قيادته وقدراته، تفضي إلى فقدانه السيطرة على الأطراف، وتشظّي إيران كنتيجة لما تقدّم. هذا هو المخطّط الفعلي لترامب، وأيضاً للدولة العميقة الأميركية.
السياسة الخارجية الراهنة للولايات المتحدة، في رأي المفكّر الهندي البارز برابات باتناييك، تؤشّر إلى دخولها مرحلة «إمبريالية قطاع الطرق» (Gangster Imperialism)، حيث لم تعُد تبالي بالبحث عن خطابات أيديولوجية تغلّف سياساتها الهادفة إلى السطو على ثروات الشعوب والتحكّم بمصائرها - من مثل نشر الديمقراطية أو مكافحة التطرف والإرهاب -؛ بل بات رئيسها ترامب يجاهر بأن هدفه هو الاستيلاء على نفط فنزويلا وعلى ثروات غرينلاند، أو يدعو أهل غزة إلى مغادرتها لكي يبني في مكانها ريفييرا! من وجهة نظر جوزف ستيغليتز، الاقتصادي الأميركي الحائز جائزة «نوبل» وأحد كبار اقتصاديي «البنك الدولي» في الماضي، فإن العصر الإمبراطوري الأميركي الجديد، يمثّل خطراً شديداً على مستقبل البشرية بسبب شدّة توحشه. والتوحّش هذا وثيق الصلة، في الواقع، بالانحدار المتسارع للهيمنة الأميركية، والذي حمل ترامب على البحث في إمكانية التوصّل إلى تسويات ولو مؤقّتة مع القوى الدولية الكبرى كروسيا والصين، ومضاعفة عدوانيته في الجنوب العالمي، وخاصة في غرب آسيا ووسط القارّة الأميركية وجنوبها.
ولكن هذه العدوانية المفرطة، في حال اصطدامها بإرادة مقاومة صلبة، وتكبّد القوات الأميركية خسائر بشرية في أيّ من مغامراتها، سترتدّ سلباً على الرئيس الأخرق الذي يرفض قطاع معتبر من جمهوره الانتخابي التورّط في حروب خارجية، خاصة في الشرق الأوسط، وأصبح هو نفسه يعي أن الوعود التي قطعها بالتفرّغ للداخل الأميركي والابتعاد عن مثل هذا التورط، كانت مجرّد هراء.