حسن حيدر (الأخبار)
دخلت الاحتجاجات في إيران منعطفاً حادّاً في يومها الحادي عشر، حين خرجت عن إطارها المعيشي والاجتماعي التقليدي، لتتحوّل إلى مشهد أمني مُعقَّد تداخلت فيه أعمال الشغب المسلّحة، مع استهداف منظّم للبنى التحتية الاقتصادية والأمنية. وعقب تصاعد العنف، ولا سيما في مدن كبرى من مثل طهران ومشهد وكرمانشاه وأصفهان، اتّخذت السلطات الإيرانية قراراً استثنائيّاً تمثَّل في قطع الإنترنت الدولي عن البلاد، مع الإبقاء على الشبكة الوطنية الداخلية قيد التشغيل، في خطوةٍ وصفت رسميّاً بأنها «إجراء وقائي سيادي».
وجاء هذا القرار نتيجة قراءة أمنية شاملة لطبيعة التهديد؛ إذ رأت طهران أن ما يجري يتجاوز كونه احتجاجات ذات مطالب مُحدّدة، ليقع في خانة «الحرب الهجينة» التي تدمج بين العمل المسلّح الميداني، والاختراق السيبراني، والحرب الاقتصادية والنفسية. ذلك أن التحرّكات بدأت في مناطق الأطراف ذات الهشاشة الاقتصادية، لكنها سرعان ما تدحرجت نحو مراكز المدن الرئيسة، حيث اتّسمت بدرجة أعلى من العنف والتنظيم، ودخلت على خطّها مجموعات استخدمت أسلحة حربية وتكتيكات غير عشوائية، استهدفت القوى الأمنية والمحتجّين على السواء، إضافة إلى مصارف ومؤسسات عامة وخاصة وبنى اقتصادية حيوية. ودفع هذا النمط من الاستهداف المنهجي، صنّاع القرار في طهران إلى التعامل مع المشهد باعتباره تهديداً للأمن القومي، وليس مجرّد اضطراب اجتماعي.
وانطلاقاً من هذا التقدير، برز الفضاء السيبراني بوصفه ساحة مركزية لإدارة الصراع؛ إذ، وبحسب التقديرات، لعب الإنترنت الدولي دوراً كبيراً في التنسيق والتوجيه والدعم اللوجستي والإعلامي، ما جعل قطعه خطوة أساسية في سياق عزل الداخل عن «غرف عمليات» خارجية. وفي ضوء ذلك، ظهر ما يمكن تسميته بـ»البتر الرقمي»، أي فصل الدولة مؤقّتاً عن الشبكة العالمية لتحصين الجبهة الداخلية. ومن هنا، يمكن تفكيك دوافع القرار الإيراني إلى أربعة محدّدات رئيسة تجمع بين الأمن والتكنولوجيا:
أولاً: كسر الارتباط الخارجي للمجموعات المسلحة؛ إذ تؤكد السلطات الإيرانية أن تلك المجموعات كانت على تواصل مع مشغّلين خارج الحدود، من بينهم أجهزة استخبارات أجنبية (ولا سيما أميركية وإسرائيلية)، إضافة إلى قيادات من منظّمات معارضة إيرانية في الخارج. واعتمد هذا الفصل، تقنيّاً، على مركزية بوابات العبور الدولية (Gateways)، حيث يؤدّي تعطيل مسارات التوجيه العالمية (BGP) إلى عزل العناوين الرقمية داخل إيران، ما يشلّ قدرة هذه المجموعات على التواصل اللحظي مع مراكز القيادة والسيطرة الخارجية.
ثانياً: التحسّب لاستخدام الإنترنت في التوجيه العسكري؛ إذ أظهرت التجارب، بما في ذلك حرب الأيام الـ12، الاستخدام الواسع للإنترنت في تشغيل طائرات مُسيّرة وصواريخ موجّهة، وذلك عبر شرائح هاتف محلية واتصال بشبكات الجيلَين الرابع والخامس. ولذا، كان التوجّه إلى تعمية الفضاء الإلكتروني عبر قطع الإنترنت الدولي، ما يحرم هذه المنظومات من الوصول إلى خوادم توجيه أو إحداثيات خارجية، ويقلّل من خطر استخدام الشبكة كسلاح عالي المخاطر في الداخل.
بعض القيود على الإنترنت الدولي ستبقى قائمة إلى حين استقرار الأوضاع، ثالثاً: مع بروز الإنترنت الفضائي، ولا سيما «ستارلينك» كبديل يصعب إخضاعه للرقابة التقليدية، لجأت السلطات الإيرانية، بحسب التقديرات الأجنبية، إلى محاولة تحييد «ستارلينك» والاتصال الفضائي، وذلك عبر بثّ موجات راديوية على تردّدات الاستقبال الفضائي بهدف منع قيام قنوات اتصال خارج نطاق السيادة الرقمية، قد تُستخدم لتوجيه أعمال الشغب أو دعم أيّ هجوم خارجي مُحتمل. ومن جانبها، أكّدت التقارير الصحافية الأميركية نجاح إيران في استخدام تقنيات محلية أو مستوردة، للتشويش على عمل الإنترنت الفضائي، من دون الكشف عن نسب نجاح تلك المحاولات.
رابعاً: على رغم عزل الإنترنت الدولي، استمرّت الشبكة الوطنية للمعلومات في العمل، باعتبارها العمود الفقري للدولة الإلكترونية؛ إذ نُقلت خدمات حيوية، من مثل أنظمة المصارف، وصرف الرواتب، والتعليم عن بعد، ونشر البيانات الحكومية، إلى خوادم محلية مستقلّة. ومكّن ذلك البلاد من تفادي الشلل الإلكتروني، وأدّى أيضاً إلى حماية الخوادم الوطنية من هجمات سيبرانية واسعة قد تستهدف الطاقة أو القطاع المصرفي والقطاعات الحيوية والحسّاسة في إيران.
وبناءً على ما تقدَّم، لم يغب البعد الاقتصادي عن قرار عزل الإنترنت، حيث ترى السلطات الإيرانية أن جزءاً من الضغط على العملة الوطنية، ناتج من تلاعب خارجي بأسعار الدولار عبر منصّات وتطبيقات تعمل على الإنترنت الدولي، وذلك من خلال بثّ شائعات أو ضخّ طلبات وهمية؛ ولذا، ساهم قطع الاتصال الخارجي في الحدّ من هذا التأثير.
ومع تراجع وتيرة الاحتجاجات وحدّتها، تشير التقديرات إلى أن بعض القيود على الإنترنت الدولي ستبقى قائمة إلى حين استقرار الأوضاع بشكل كامل، خصوصاً أن هذه السياسة تقدّم بوصفها إجراءً وقائيّاً في إطار مفهوم «السيادة الرقمية»، الذي لم يَعُد الإنترنت بموجبه فضاء محايداً، بل تحوّل إلى أداة يمكن توظيفها في الحرب العسكرية والأمن والاقتصاد.