فاطمة أبو ناجي/ العربي الجديد
تتنوّع دوافع الكذب بين الرغبة في تجنب مواجهة الواقع الثقيل أو المحرج، أو تحسين الصورة أمام الآخرين، أو تحقيق أهداف محددة، وأحياناً رد فعل على الخوف والضغط الاجتماعي، وهو ما يناقشه الباحث الفرنسي، جزائري الأصل، أوسكار برينيفييه في كتابه "آفة الكذب: خيارٌ واعٍ، أداةٌ للتأقلم، وأحياناً.. شرٌّ لا بدّ منه" (دار نوفل/هاشيت أنطوان، 2025)، في محاولة لتفسير تشكل هذه الممارسة تدريجياً، وكيف يتفاعل الفرد مع المحيط الاجتماعي والنفسي ليصيرَ الكذب جزءاً من سلوكاته اليومية، مع تأثيرات ملموسة على وضوح العلاقة مع الذات والآخرين.
الكتاب الذي صدر بترجمة القيصر هلالي، ينطلق في قراءة الكذب من نقطة الوعي، حيث تتشكل الممارسة الإنسانية في تداخلات دقيقة بين الإدراك والقرار والسياق الاجتماعي، ويقدّم رؤية فلسفية ومعرفية تتعامل مع الكذب بوصفه فعلاً واعياً، مع التركيز على فهم جذوره وآلياته وتأثيراته النفسية والاجتماعية.
يضع المؤلف القارئ في قلب تجربةٍ فكرية عميقة، تدعوه إلى التأمل في الطريقة التي يتشكل بها الكذب في الحياة اليومية، وكيف تتداخل الرغبات الداخلية مع الضغوط الاجتماعية لتنتج سلوكات متغيرة. في فضاءاتٍ رمادية بين الوعي واللاوعي، يظهر الكذب بوصفه خياراً واعياً يمارِس تأثيراته على التفكير والنفس والعلاقات، ويستمر وجوده ما دام الإدراك ممكناً. هذا الطرح يعيد النظر في الكذب باعتباره ممارسة وظيفية متكاملة، تتجذر في نمط التفكير اليومي وتصبح جزءاً من آليات التكيف الاجتماعي والنفسي.
يعيد النظر في أن الكذب ممارسة وظيفية متكاملة
الكتابُ يضيء قدرة الكذب على التخفّي عن نفسه، إذ يمكن للكذبة أن تقنع صاحبها بأنها ليست كذبةً، فتستقر في البنية الذهنيةِ وتعيد تنظيم التفكير. توضح هذه الرؤية كيف تتحول سلوكاتٌ تظهر على شكل صدقٍ أو براءة إلى ممارسات زائفة عندما يغيب التقييم الذاتي. كما يتناول تطور الكذب من شكل اجتماعي بسيط إلى سلوك متكرر قد يصل إلى حد القهر النفسي، ويؤثر في العلاقات والتوازن الداخلي للفرد. المنهج المعرفي الذي يعتمده برينيفييه يمزج التحليل الفلسفي مع لمساتٍ من السخرية الخفيفة التي تسهل فهم المفاهيم المعقدة وإدراكها.
الكتاب يفتح نافذة لفهم الكذب بوصفه أداة تأقلم وظيفية، أحياناً ضرورية للحفاظ على الانسجام الاجتماعي، ويطرح تساؤلات عن طبيعة الحقيقة، والتفاعل اليومي معها، والوعي الذاتي بممارسات النفس. أوسكار برينيفييه، وهو أستاذ الفلسفة ومؤسس "معهد الممارسات الفلسفية"، يقدم أدوات للقارئ تمكنه من مساءلة ذاته حول الصدق وما يختاره من قول أو فعل، مع التركيز على أن الكذب ممارسة واعية تتشكل بحسب السياق وتكشف عن التوتر الدائم بين إدراك الذات ومحيطها.
في هذا العمل يحوّل الباحث القراءة إلى تجربة فكرية تكشف أعماق التفكير البشري داعية إلى إعادة تقييم العلاقة اليومية مع الحقيقة من منظور معرفي دقيق ومستقل عن الصور الجاهزة أو الأحكام المسبقة.