أيمن بيضون (صحيفة الأخبار)
عند فجر الاثنين تاريخ 2/3/2026 أطلق حزب الله بعضاً من الصواريخ تجاه الأراضي المحتلة ليرد جيش العدو الإسرائيلي بضربات عنيفة على الضاحية الجنوبية لبيروت إيذاناً بحرب جديدة على لبنان وأهله.
ومن غير المنازع فيه ان الحروب، سواء أكانت داخلية أو خارجية، تخلف آثاراً بالغة الخطورة على المدنيين الذين غالباً ما يتحملون تكاليفها الباهظة. ولأنهم كذلك، فقد تضمنت التشريعات الدولية لا سيما قواعد القانون الدولي الإنساني والاتفاقيات المرتبطة به مبادئ جوهرية تهدف الى حماية المدنيين في النزاعات المسلحة تتلخص في اثنين: الأول، وجوب التمييز بين المدنيين وبين المسلحين. الثاني، مكمل للأول أي حق المدنيين بتلقي معاملة تحفظ كرامتهم الإنسانية وعدم التمييز بينهم لا على أساس الدين ولا الانتماء السياسي.
ان الدولة اللبنانية - كأي دولة - ليست معفية من تلك الالتزامات تجاه النازحين من أبنائها. وهؤلاء، بلغوا 90 ألفاً، جلهم من الأطفال والشيوخ والنساء، يفترشون الطرقات أو ينامون في سياراتهم لدرجة ان العديد منهم فضل العودة الى قراهم ومنازلهم بعدما فقدوا الأمل في إيجاد مأوى سيما في ظل مناخ بارد وظروف الصوم.
تحاول الحكومة تامين مراكز إيواء واستيعاب ما أمكن منهم. غير ان الامكانيات المحدودة فضلاً عن عجز الدولة التاريخي في تأمين الأمن والخدمات في زمن السلم مضافاً الى غياب التخطيط، كل ذلك جعلها فقط قادرة على إيواء حوالي 80 ألفاً فيما الباقي متروك لمصيره. أمام هذا الواقع تبرز الحاجة تضافر كافة الجهود وانخراط كافة افراد المجتمع بهدف استيعاب ما تبقى وهم أكثر عدداً.
الإيواء والملكية الخاصة
لطالما شكل المجتمع المدني رفداً للدولة اللبنانية في تأمين الخدمات الإنسانية الأساسية لكن ذلك منوط بتعاون بقية المواطنين وأصحاب الأملاك الخاصة الشاغرة بهدف السماح للنازحين بالإيواء. هنا تطرح موازنة بين حماية الملكية الخاصة - في حال رفض المالك استعمال عقاره - وبين حق النازح في الايواء أثناء النزاعات المسلحة.
حالياً تغلب الحكومة مبدأ احترام الملكية الخاصة على حق الايواء مستندة الى أحكام المادتين 14 و15 من الدستور اللبناني اللتان تكفلان احترام حرمة المنزل وحماية الملكية الخاصة. غير أن هذا التوجه يقبل المناقشة. فالمادة الأخيرة تنص على أن «الملكية في حمى القانون فلا يجوز أن ينزع عن أحد ملكه إلا لأسباب المنفعة العامة في الأحوال المنصوص عليها في القانون وبعد تعويضه منه تعويضاً عادلاً». أما بالنسبة للمادة 14 من الدستور فقد نصت على أن «للمنزل حرمة ولا مسوغ لاحد الدخول إليه إلا في الأحوال والطرق المبينّة في القانون». هنا تصبح المسألة أدق فهل يعني ذلك المنع المطلق لأي نازح من دخول منزل شاغر في ظرف استثنائي كحالة الحرب؟
الملكية الخاصة في الإسلام
الواقع ان أحكام الشرع الإسلامي – وهي مصدر من مصادر التشريع - والقانون الدولي الإنساني تسمحان بتليين مفعول المبدأ الدستوري القاضي باحترام حرمة المنزل أثناء الحرب والملكية الخاصة. فالقاعدة الكلية «الضرورات تبيح المحظورات» وقاعدة "الضرورة تقدر بقدرها تشكلان مبادئ عامة يمكن الاستناد عليها لتأمين أماكن إيواء في العقارات المتروكة أو المهملة هذا من جهة. كما تسمح قواعد القانون الدولي الانساني من جهة ثانية للدولة أو السلطات العسكرية استخدام بعض الممتلكات مؤقتاً لإيواء المدنيين أوالاستيلاء المؤقت على بعض المباني لأغراض إنسانية ضمن شروط هي: أن يكون الإجراء ضرورياً ومؤقتاً.
أن يكون لتحقيق هدف إنساني مشروع. والا يتحول إلى مصادرة دائمة أو نهب. على ضوء ما تقدم يصبح تجاوز مفعول المبدأ المكرس في المادتين 14 و15 من الدستور اللبناني مسموحاً بهدف تامين إيواء للنازحين نظراً لوجود ضرورة قصوى تبررها، فالنصوص القانونية أو الدستورية هي وسيلة لخدمة الانسان وليست غاية بحد ذاتها، احترامها واجب طالما تحقق الغاية منها. اختلاف الظروف يبرر اذن تغير المفاهيم ولا يمكن أن تكون النصوص القانونية الوطنية عائقاً أمام احترام كرامة الانسان سيما في الظروف الاستثنائية.
انطلاقاً مما تقدم، الا تستحق معاناة النازحين الإنسانية واحترام حقوقهم المكرسة في المواثيق الدولية اعلان حالة طوارئ وطنية وتكليف الجيش اللبناني والقوى الأمنية مهمة فتح المدارس الخاصة والجامعات واستخدام العقارات الشاغرة لإيواء النازحين بدلاً من تركهم في الطرقات والسيارات؟ فكما ان الجيش اللبناني مُكلف بمنع التعدي مسبقاً على الأملاك الخاصة يمكن له ان يفعل ذلك بطريقة لاحقة أي بعد زوال حالة الضرورة. أكثر من ذلك، ان النصوص القانونية لا سيما أصول المحاكمات المدنية تكفل إزالة التعدي على الأملاك الخاصة في حال استمر اشغال النازحين بعد انتهاء الحرب بما يشكل ضمانة لكل مالك.
ان معاناة النازحين اليوم ليست الا امتحاناً جديداً لقدرة الدولة اللبنانية على حماية حقوق الانسان الأساسية سيما بعد محاولة دخول نازحين يفترشون الطرقات الى مدرسة مقفلة شاغرة والذي عبرَّ عن مشهد مخزٍ لكل انسان. حقوق لطالما كانت منتقصة في زمن السلم كالحق في السكن والطبابة والتعليم المجانين. فكيف ستكون الحال لاحقاً إذا ما احتكر كبار التجار المواد الاستهلاكية ومنعوا الدواء والغذاء عن المواطنين ولنا في الأزمة المالية والنقدية التي عصفت بلبنان في العام 2019 مثال على ذلك، فهل ستكتفي الدولة حينها التمسك بمبدأ حرية المنافسة والتداول او تكتفي بالقول انها لا تملك الأعداد الكافية من المراقبين؟