ماهر سلامة (صحيفة الأخبار)
منذ اندلاع الحرب في المنطقة، تبدو سياسة مصرف لبنان كأنها انتقلت إلى مرحلة أكثر تحدّياً. فالمصرف لا يكتفي بتجفيف الكتلة النقدية بالليرة من السوق، كما فعل خلال المرحلة السابقة لتثبيت سعر الصرف، بل أصبح ذلك يترافق مع تراجع واضح في احتياطاته بالعملات الأجنبية. المعنى المباشر لهذا التحوّل أن تثبيت سعر الصرف لم يعد يُدار فقط عبر ضبط السيولة بالليرة، إنما بات يحتاج أيضاً إلى استخدام أكبر للعملات الأجنبية، أي إلى كلفة أعلى على ميزانية المصرف المركزي.
تُظهِر ميزانية مصرف لبنان النصف شهرية أن الكتلة النقدية بالليرة المتداولة خارج مصرف لبنان تراجعت من 68.85 تريليون ليرة في 15 شباط 2026 إلى 59.46 تريليون ليرة في نهاية أيار، أي بانخفاض يقارب 9.4 تريليونات ليرة، أو نحو 13.6%. وهذا التراجع لا يمكن فصله عن السياسة النقدية المتشدّدة التي يعتمدها مصرف لبنان منذ تثبيت سعر الصرف، والقائمة على امتصاص السيولة بالليرة ومنع توسّعها في السوق. فنظرياً، كلّما تقلّصت كمية الليرات المُتاحة، انخفض الضغط المباشر على الطلب على الدولار، ما يساعد في إبقاء سعر الصرف ضمن هامش مستقرّ.
لكنّ اللافت أن هذا الانكماش في السيولة بالليرة جاء هذه المرّة متزامناً مع تراجع في الاحتياطات الأجنبية. فقد انخفضت الاحتياطات السائلة بالعملات الأجنبية من 12.07 مليار دولار في 15 شباط إلى 11.45 مليار دولار في نهاية أيار، أي بتراجع يقارب 627 مليون دولار. وبذلك، تصبح قراءة السياسة النقدية غير محصورة في جانب واحد، أي تجفيف الليرة، بل في مسارين متوازيين. الأول هو سحب الليرات من السوق من جهة، والثاني هو استخدام جزء من الاحتياطات الأجنبية من جهة أخرى.
هذا التزامن مهم لأنه يشير إلى أن تثبيت سعر الصرف بات يحتاج إلى جهد أكبر مما كان عليه قبل الحرب. ففي المرحلة السابقة، لم يكن مصرف لبنان يعمل وحده، إذ استفاد من سياسة مالية متشدّدة نسبياً، قائمة على رفع الإيرادات العامة بالليرة، عبر الضرائب والرسوم وتسعير عدد من الجبايات على أساس سعر صرف السوق، ما أسهم في تعافٍ جزئي للإيرادات الضريبية، في مقابل ضبط الإنفاق العام وعدم ضخّ كل هذه الإيرادات مجدّداً في السوق. عملياً، كانت الخزينة تسحب ليرات من الاقتصاد أكثر مما تعيد ضخّه، ما ساعد على تقليص السيولة المُتداولة وخفّف الطلب على الدولار. بهذا المعنى، كانت السياسة المالية تعمل كأداة مساندة للسياسة النقدية. كل ليرة تبقى محجوزة في حسابات الدولة هي ليرة لا تتحوّل إلى طلب إضافي على العملة الأجنبية.
أمّا اليوم، فإن تراجع الاحتياطات بالتوازي مع تراجع الكتلة النقدية بالليرة يوحي بأن الضغط على سوق القطع صار أعلى. فمصرف لبنان لا يكتفي بتجفيف السيولة، بل يبدو مضطراً أيضاً إلى استخدام جزء من العملات الأجنبية لتلبية الطلب في السوق أو تخفيف حدّته. لذلك، لم يعد تثبيت سعر الصرف ينتج فقط من شحّ الليرة فقط، بل من مزيج أكثر كلفة، هو عبارة عن امتصاص الليرة من جهة، واستنزاف جزء من الاحتياطات من جهة أخرى.
جزء من هذا الضغط يرتبط بالحرب نفسها. فالتوتر في المنطقة، ولا سيما حول مضيق هرمز، انعكس على أسعار النفط وكلفة الشحن والتأمين، ما رفع فاتورة الاستيراد على اقتصاد شديد الاعتماد على الخارج مثل لبنان. وعندما ترتفع كلفة الاستيراد، تزداد الحاجة إلى العملات الأجنبية لتمويل السلع، ولا سيما المحروقات. في هذه الحالة يجد مصرف لبنان نفسه بحاجة إلى منع يمنع توسّع القاعدة النقدية بالليرة حتى لا يتحوّل إلى طلب إضافي على الدولار، وفي الوقت نفسه أن يوفّر أو يسهّل توافر العملات الأجنبية في السوق كي لا ينتقل الضغط مباشرة إلى سعر الصرف.
بهذا المعنى، لا تكشف الأرقام عن تبدّل في هدف مصرف لبنان، فهدف تثبيت سعر الصرف لا يزال قائماً. لكنها تكشف تبدّلاً في كلفة هذا الهدف. فكلّما طال أمد الحرب وارتفعت كلفة الاستيراد، يصبح الحفاظ على الاستقرار النقدي أكثر اعتماداً على الاحتياطات، إضافة إلى أدوات امتصاص السيولة.
وهذا يعني أن مصرف لبنان لا يزال يمارس سياسة نقدية انكماشية واضحة، لكنّ الأرقام الأخيرة تُظهِر أن هذه السياسة دخلت في مرحلة أكثر حساسية. فالكتلة النقدية بالليرة تنكمش، والاحتياطات الأجنبية تتراجع، وسعر الصرف يبقى مستقراً. هذه المعادلة لا يمكن أن تستمر بلا كلفة. وكلّما اتّسعت الفجوة بين حاجة السوق إلى الدولار وقدرة الاقتصاد على توليده، يصبح تثبيت السعر أكثر اعتماداً على ما يملكه مصرف لبنان من احتياطات، وهو ما يسهم في الضغط عليها.