التفاوض على دمنا لن يمرّ

post-img

عبير حمدان (صحيفة البناء)

عبارة “تحمّل المسؤولية” التي صدرت عن جهة من المفترض أن تكون حريصة على الوطن والمواطن لا يمكن تفسيرها إلا في سياق المصادقة على استمرار العدوان ومباركته، بيان تمّ تسريبه في عتمة الليل كصيغة اتفاق على القتل الجماعي والتدمير الشامل وتكريس الاحتلال.

توصيف الاتفاق بأنه “تاريخي” ترافق مع سردية إعلامية ممنهجة تبنّت منطق تهجير أهل الأرض وكأنه أمر عابر طالما “السيادة” مادة كلامية فارغة من مضمونها.

بعد أكثر من أربعة عقود على توقيع اتفاق 17 أيار الذي أسقطه الشعب المقاوم، يتكرّر المشهد اليوم بوقاحة مضاعفة على الصعيد السياسي والإعلامي ويُضاف إليهما الناشطين الافتراضيين والمؤثرين والفنانين والمصفقين وأصحاب الإقامات الذهبية والمعتدلين وجزء من جيل لا يقرأ إلا من خلال محرك البحث دون أن يفقه ما تخبّئه السطور من تسطيح وكي للوعي.

مشهدد متكرّر بأساليب أكثر تطوّراً وسرديات مُعدة سلفاً حول أبجدية السلام، وقرار الحرب والسلم، وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها التي وللمفارقة قدّمت جزءاً كبيراً منها على طبق من تنازل للمحتلّ الممعِن في نسف وتفجير القرى والبلدات، ثم تخاطبك بضرورة “تحمّل المسؤولية”.

حبّذا لو تخبرنا هذه السلطة أين تحمّلت المسؤولية؟ وهل المسؤولية تكمن في التآمر على عنصر القوة الذي نملكه والعمل على تفكيكه، هل المسؤولية تتجلى بإفراغ الجنوب من أهله كي يستقرّ العدو، هل المسؤولية تكون بإقصاء الأغلبية المقاومة ومحاصرتها، هل المسؤولية تكون بتجاهل دماء الشهداء من نساء وأطفال وشيوخ وطلاب جامعيين وإعلاميين وعسكريين…

باختصار مسؤولية السلطة تجسّدت بالتفاوض على دمنا وقرانا والانتقام من فعل التحرير عام 2000 ونصر تموز 2006 ومعادلة الردع التي كرّستها المقاومة لسنوات. تفاوض تمخض خضوعاً لن يمرّ طالما هناك نبض في هذه الأرض.
في المقابل من تحمّل مسؤولية الدفاع عن هذه الأرض منذ زُرع الكيان الغاصب في بلادنا متجذر وباقٍ وأكثر صلابة وهو غير معنيّ بمفاوضات هجينة يهلل له ناشطي ومحللي الصدفة.

العدو الذي وصل إلى بيروت مجتاحاً لم يبق فيها منذ الطلقة الأولى، والسلطة التي ظنّت أنّ دبابة المحتلّ قادرة على تثبيتها سقطت بحكم الشعب، وبوابة التحرير كسر أقفالها المقاومون كما فعلوا في معتقل الخيام.
إنّ السلطة التي لا تقرأ التاريخ الحقيقي ولا تصون الجغرافيا تفقد شرعيتها وبالتالي لا قيمة لأيّ اتفاق تبرمه وتروّج له دون الاحتكام إلى من يملك القرار الفعلي في الميدان مواجهاً وقادراً ومنتصراً…

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد