اوراق مختارة

مادورو واختطاف المعنى في عاصمة القوة الغالبة

post-img

يوسف فاضل/ العربي الجديد

لا يزال الغرب أسير فكرته القديمة عن نفسه: إنه أذكى من الآخرين، وأسمى أخلاقيًا. هذه الفكرة تعمل كدرع نفسي، كتعويذة تحميه من عدوى الشك. ومن داخلها يمنح نفسه الحق في تجريد الآخرين من إنسانيتهم، ثم من ثرواتهم، ممعنًا في إذلالهم وسحقهم، يتلذذ بإيذائهم، ويتلذذ برؤيتهم منكسرين. بينما المحيطون به ينظرون إليه فاغري الأفواه، مبتسمين، يهتفون باسمه، ويهللون لصهيله الذي يصمّ الآذان.

لا يتحدث إيمانويل تود في كتابه الأخير "هزيمة الغرب" (دار الساقي/ ترجمة محمود مروّة، 2025) عن هزيمة عسكرية، وإنما عن انهزام قيمي ورمزي وأخلاقي. هذه الهزيمة ليست سقوطًا بل تفككًا داخليًا: فقدان المعنى، فقدان القدرة على الإقناع، ويضيف أن الغرب بلغ مرحلة يتكلم فيها باسم الأخلاق التي لم يعد يؤمن بها، يُدين العنف بينما ينتجه، يمارس العنف دون شعورٍ بالمسؤولية. هذه هي الهزيمة الحقيقية.

هنا، ليس جديدًا أن تعتديَ دولة على دولة أخرى. الجديد هو أن تختطف دولة رئيس دولة أخرى، وتنقله قسرًا خارج سيادته ليحاكم في عاصمة القوة الغالبة. هذا يشكّل كارثة حديثة. مادورو، الرئيس الفنزويلي، سيحاكم في نيويورك.

العنف لا يولّد القوة، بل يُفرغ الإنسان من إنسانيته

قبل هذه الحقبة لا يذكر التاريخ، بهذا الوضوح، اختطافًا سياسيًا يُدار كعرض للقوة، لأن آخر اختطافٍ رمزي هو اختطاف هيلين، الذي أشعل حرب طروادة عشر سنوات كما ورد في إلياذة هوميروس. وإذن، أيّ حرب قد يشعلها الاختطاف الأخير؟

الخاطف ليس أسمى أخلاقيًا من المخطوف. كلاهما مكوَّن من الخوف والشجاعة نفسيهما. من الرغبات والطموحات ذاتها. الفارق أن أحدهما يمتلك أدوات أكثر للإيذاء. ويستعملها لأنه قادر، لا لأنه مضطر. هل يحتاج من يملك القوة إلى تبرير؟ إنه غير مجبر على تبرير أي شيء. بالعكس، عدوانه لا يُقدَّم كعنف، بل كدرسٍ في الأخلاق الديمقراطية، كرسالة حضارية. العالم الغربي حديقة مزهرة وسط غابة متوحشّة. من يغامر خارج هذه الحديقة الغناء سيجد نفسه وسط قوم متوحشين، لا ينفع معهم لا قانون دولي ولا مواثيق. وحدها الهراوة تنفع معهم. وما على المغلوب إلا أن ينحني له ويشكره على ما أسداه له من جميل.

العدوان هو إنكار ذوات الآخرين عبر إجبارهم على اعتناق ديانتهم الجديدة، الليبرالية جدًا، الديمقراطية جدًا، أو سحقهم. الخاطف يصول ويجول وحده في ساحة الحرب، أعداؤه ضعفاء، مغلوبون على أمرهم، ومع ذلك يصرخ، شاهرًا ترسانة أسلحته المدمّرة: "اهتفوا للدمار، أطلقوا كلاب الحرب"، كما يهتف قيصر في مسرحية شكسبير. وأعتقد أنّ المعتدي، في جوهره، شخصٌ يحتقر البشر، جميع البشر.

يتساءل راسكولنيكوف في الجريمة والعقاب هل أستحق أن أكون فوق القانون؟ بطل دوستويفسكي لا يقتل بدافع الحاجة، وإنما ليختبر نفسه. أما هذا المغتصب فقد تجاوز السؤال الإنساني برمّته. إنه يقف فوق الإنسانية ذاتها. فوق سقف القانون. أليس هو مشرّع القوانين الدولية؟ بل المشرّع الوحيد الذي لا يخضع لها. القوانين فخ. تُدبّج بعناية شيطانية ليسقط في حبائلها الضعفاء وحدهم. إن أقسى الجرائم تُرتكب حين يعتقد المجرم أنه على حق.

ما يحدث في العالم اليوم ليس علامة سيطرة بقدر ما هو علامة خلل. هذا الصلف والجبروت ليس علامة سيطرة، بل عرضًا مرضيًا. ما يحدث هو الشجرة التي نراها تخفي غابة من التفكك الداخلي. ماذا يحدث للإنسان عندما يصدّق أن لا شيء يمنعه؟ العنف لا يولّد القوة، بل يُفرغ الإنسان من إنسانيته.

لا تخلو صفحات الجرائد ولا شاشات التلفزة من الإشادة بالأخلاق الغربية، في كل مناسبة وبدونها. غير أن هذه الثرثرة الإعلامية لا تخفي سوى أمر واحد: حين يبدأ المغتصب في تعداد قيَمه الإنسانية، يكون ذلك دليلًا على نكرانها. الهيكل فارغ، أجوف، تصفّر الريح بداخله. بدلاتٌ ترفرف في الهواء، بلا جسد. لهذا يصبح كل شيء مباحًا. وأن ما يختبئ خلف كل هذا هو هاجس واحدٌ: الخوف من فقدان الهيمنة. خوفٌ أشدّ فتكًا من القسوة نفسها. "الرجال الجوف" الذين كتب عنهم ت. س. إليوت قصيدته الشهيرة، هذه الفصيلة هي التي تحكمنا وتشرّع قوانين عالمنا.

هذه اللامبالاة الأخلاقية، تتمثل في اللحظة التي لا يعود فيها الإنسان يؤمن بشيء، لكنه يتحدث عن كلّ شيء. إنها ليست لحظة جديدة هذه اللامبالاة، إنها تعود إلى بدايات الإنسانية، إلى اللحظة التي سُئل فيها قابيل، بعد أن قتل أخاه هابيل: أين أخوك؟ فأجاب وهل أنا حارسٌ لأخي؟ العالم متوقف منذ البداية عند هذه اللحظة، اللحظة تغير ألوانها وتبقى هي هي.

 

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد