لم تعد الحروب في عالم اليوم تُخاض فقط على الحدود البرية أو في الأجواء أو البحار، بل انتقلت إلى مجال أقل وضوحًا وأكثر نفاذًا وهو الفضاء الرقمي. في هذا الفضاء، لا تُستخدم الدبابات ولا الصواريخ، بل تُستخدم البيانات، والخوارزميات، وشبكات الاتصال، وأنماط السلوك الرقمي. ولم يعد الصراع يدور فقط حول السيطرة على الأرض، بل حول السيطرة على الإدراك، وعلى تدفق المعلومات، وعلى كيفية فهم المجتمعات لما يجري من حولها.
في هذا السياق، لم يعد الفضاء الرقمي مجرد امتداد تقني للحياة اليومية، بل تحوّل إلى ساحة مواجهة قائمة بذاتها. الهاتف الذكي، ومنصات التواصل، والتطبيقات، وشبكات الاتصال، باتت جزءًا من بنية الصراع الحديثة، تؤدي أدوارًا تتجاوز التواصل والترفيه، لتلامس الأمن الوطني، والاستقرار المجتمعي، والسيادة المعرفية.
التكنولوجيا ليست محايدة
من أكثر الأفكار المضللة في العصر الرقمي الاعتقاد بأن التكنولوجيا محايدة بطبيعتها. فالأنظمة الرقمية لا تعمل في فراغ، بل تُصمَّم وتُبرمج وتُدار داخل سياقات سياسية واقتصادية وثقافية محددة. لنأخذ مثال الخوارزميات: هي القواعد التي تحدد ما نراه وما لا نراه على المنصات الرقمية، وهي تعكس الواقع وفق برمجتها، لا بل تعيد تشكيله، عبر تفضيل محتوى على آخر، وتضخيم روايات معينة، وإخفاء أو تهميش وغيرها.
الأمن الرقمي هنا لا يقتصر على حماية الحسابات من الاختراق أو استخدام كلمات مرور قوية، بل يشمل فهم ما يُعرف بـحوكمة المنصات الرقمية Digital Platform Governance، أي الكيفية التي تُدار بها هذه المنصات، ومن يضع قواعدها، ولأي أهداف. في زمن الأزمات، تتحول هذه القواعد إلى أدوات تأثير ناعمة Soft Power، تُستخدم لتوجيه الرأي العام، أو لزيادة الاستقطاب، أو لإضعاف الثقة داخل المجتمع.
المواطن جزء من بنية الصراع
في الحروب التقليدية، كان المواطن متلقيًا للأحداث. أما في الفضاء الرقمي، فقد أصبح المواطن جزءًا من بنية الصراع نفسها. لأن كل مستخدم أصبح هو عقدة Node في شبكة، وكل تفاعل رقمي إن كان إعجابًا، مشاركةً أو تعليقًا يسهم في تضخيم محتوى ما أو إضعافه. هذه الدينامية تجعل من السلوك الفردي عنصرًا جماعيًا مؤثرًا.
خلال الأزمات، تُستغل هذه الشبكات عبر ما يُعرف بالعمليات النفسية الرقمية Digital Psychological Operations، حيث يُضخ محتوى مصمم لإثارة الخوف، أو الغضب، أو الإحباط، أو فقدان الثقة. وغالبًا ما يكون هذا المحتوى خليطًا من معلومات صحيحة، وأنصاف حقائق، ومضامين مضللة، ما يصعّب على المواطن التمييز بينها. فالتوعية الرقمية تبدأ من إدراك هذه الحقيقة، أن المشاركة غير الواعية ليست فعلًا بريئًا، بل قد تتحول دون قصد إلى مساهمة في حملة تأثير أوسع.
من البيانات إلى النفوذ
لا تقتصر قيمة البيانات اليوم على المحتوى، بل هي مورد استراتيجي، بل تمتد إلى ما يُعرف بالبيانات الوصفية Metadata، أي من يتواصل مع من، ومتى، ومن أين، وكم مرة. هذه البيانات، عند تحليلها باستخدام أدوات تحليل البيانات Data Analytics والذكاء الصناعي Artificial Intelligence، تتيح بناء خرائط دقيقة للسلوك الاجتماعي، وأنماط التفاعل، ونقاط التأثير داخل المجتمع.
في زمن الأزمات، تصبح هذه الخرائط أداة نفوذ. فهي تُمكّن من استهداف فئات معينة برسائل محددة، وتوقيت حملات التأثير بدقة، وقياس ردود الفعل بشكل شبه فوري. من هنا، فإن حماية الخصوصية الرقمية ليست شأنًا فرديًا فقط، بل مسألة تتعلق بالأمن المجتمعي والوطني.
الإشاعة سلاح في الحرب الرقمية
الإشاعة الرقمية ليست ظاهرة عفوية دائمًا. في كثير من الأحيان، تكون جزءًا من استراتيجية تضليل Disinformation Campaigns، تهدف إلى إرباك المجتمع، أو خلق انقسام داخلي، أو التشكيك بالمصادر الموثوقة. ما يميز الإشاعة الرقمية هو سرعتها، وقدرتها على الانتشار عبر الشبكات الاجتماعية بسرعة تفوق قدرة التصحيح. التوعية الرقمية هنا تعني الانتقال من الاستهلاك السلبي للمحتوى إلى القراءة النقدية Critical Digital Literacy. من أنتج هذا المحتوى؟ ما هو مصدره؟ هل يتزامن مع حدث حساس؟ هل يستخدم لغة عاطفية أو تحريضية؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أدوات دفاعية في زمن الصراع الرقمي.
الهجمات غير المرئية
إلى جانب المحتوى، هناك مستوى آخر أقل وضوحًا من التهديدات الرقمية، يتمثل في الهجمات السيبرانية Cyber Attacks، وتسريب البيانات Data Breaches، وبرمجيات التجسس Spyware. هذه التهديدات لا تستهدف المؤسسات فقط، بل الأفراد أيضًا، عبر تطبيقات غير موثوقة، أو روابط خبيثة، أو تحديثات مزيفة. في زمن الأزمات، تزداد هذه المخاطر، إذ تستغل حالة التوتر وقلة الانتباه. التوعية الرقمية تعني إدراك أن الأمن السيبراني Cybersecurity يبدأ من السلوك اليومي، وليس فقط من البرامج أو الجدران النارية.
الأمن الرقمي مسؤولية جماعية
لا يمكن اختزال الأمن الرقمي في حلول تقنية فقط. إنه منظومة وعي، وثقافة، وسلوك جماعي. الدولة مسؤولة عن التشريعات والبنية التحتية، والمؤسسات مسؤولة عن الحماية والتنظيم، لكن المواطن يبقى الحلقة الأوسع تأثيرًا. كلما ارتفع مستوى الوعي الرقمي لدى الأفراد، تراجعت فعالية حملات التضليل، وضعفت قدرة الاختراق المعنوي.
في زمن الأزمات، تتحول التوعية الرقمية إلى عنصر من عناصر الصمود الوطني. ليست دعوة إلى الانغلاق أو الخوف من التكنولوجيا، بل دعوة إلى استخدامها بوعي، وفهم حدودها، وإدراك مخاطرها بقدر ما ندرك فوائدها.
في الخلاصة، إن الفضاء الرقمي اليوم ليس مجرد مساحة تواصل، بل ساحة صراع حقيقية تُدار فيها معارك الإدراك والنفوذ والشرعية. من لا يفهم قواعد هذه الساحة، قد يتحول دون قصد إلى أداة فيها. ومن يمتلك الوعي، يمتلك القدرة على حماية نفسه، والمساهمة في حماية مجتمعه. لذلك، إنّ التوعية الرقمية ليست خيارًا فرديًا، بل ضرورة وطنية ومسؤولية تشاركية مجتمعية متكاملة، من الدولة إلى مؤسسات التنشئة من الأهل والمدارس والمعاهد والجامعات، والسلطات المحلية مثل البلديات وغيرها والمجتمع المدني والأهلي من الجمعيات التخصصية وغيرها. ففي عالم تُدار فيه القوة عبر الشبكات بقدر ما تُدار عبر الجيوش، يبقى الوعي هو خط الدفاع الأول، قبل أي تقنية أو أداة.