اوراق خاصة

هل تخلت واشنطن عن أكراد سورية!؟

post-img

حسين كوراني

لم يكن قرار تخلّي الولايات المتحدة الأميركية عن قوات سورية الديمقراطية "قسد" مفاجئًا بالنسبة إلى العالم. إذ إن واشنطن لها باعٌ طويل في المتاجرة بحلفائها، بحسب ما تقتضيه مصلحتها. الأمثلة كثيرة، في الدول التي دعمت الإدارة الأميركية أنظمتها وحكامها، وفجأة تركتها تواجه مصيرها بنفسها، بل وفي أغلب الأحيان، انقلبت عليها وحاربتها، كما فعلت في بنما وأفغانستان وباكستان وجورجيا وأوكرانيا والعراق وغيرها.

إذ القرار الأميركي بانسحاب قواته من شمال سورية وشرقها، لم يكن وليد تغيّر تكتيكي مفاجئ، لقد جاء - بحسب مراقبين- نتيجة حسابات دقيقة بعد ضغوط مباشرة مارستها أطراف إقليمية، في مقدمتها الكيان الصهيوني وتركيا، فضلاً عن سورية نفسها، ضمن مقايضة سياسية واضحة المعالم.

واشنطن، والتي لطالما تعاملت مع حلفائها كأوراق قابلة للتبديل، اختارت هذه المرة تقليص التزاماتها في شرق الفرات مقابل تثبيت مكاسب إستراتيجية في ملفات أخرى، أبرزها ملف الجولان السوري المحتل وفتح صفحة جديدة مع تركيا، والتي رفضت أي صيغة حكم ذاتي لأكراد سوريا. 

كما تكشف مصادر سياسية رفيعة المستوى أن مفاوضات غير معلنة جرت في العاصمة الفرنسية باريس، قبل أسابيع، برعاية أميركية وبحضور أطراف إقليمية. تشير المصادر إلى أن جوهر الصفقة يتمثّل بمعادلة خطيرة: تقليل الدعم الأميركي لقوات "قسد" وفتح المجال أمام تمدّد سلطات دمشق وإدلب وفصائلها، في مناطق من شمال سورية وشرقها، مقابل تثبيت واقع الاحتلال الإسرائيلي في الجولان وإخراجه عمليًا من أيّ مسار تفاوضي جدي في المرحلة المقبلة. 

هذه المعادلة، وإن لم تُعلن رسميًا، إلّا أن انعكاساتها باتت واضحة على الأرض، سواء من خلال تغيّر خرائط السيطرة أو عبر الصمت الدولي حيال ما يجري.

بالفعل هذا ما يحصل اليوم، فقد افادت "إسرائيل" تباعًا من هذا الترتيب، بتثبيت سيطرتها على الجولان المحتل، بشقّيه الشرقي والغربي، وصولًا إلى جبل حرمون، فضلًا عن استباحةٍ واسعة لجنوب سورية، ما يجعل الحديث عن تقسيمٍ هادئ، غير معلن أقرب إلى الواقع منه إلى الفرضية.

هذا فضلاً عن أن واشنطن اشترطت على الرئيس السوري أحمد الشرّع- بحسب المصادر نفسها- رفع العقوبات عنه وعن الدولة السورية، مقابل حصولها على ضمانات أساسية، في مقدّمها: مكافحة ما تصنّفه واشنطن "إرهابًا"، منع عودة إيران إلى الساحة السورية، وقف أي مسار يسمح بتمرير السلاح إلى المقاومة في لبنان عبر الأراضي السورية.

أما بالنسبة الي تركيا، ففي الأشهر الماضية، حصلت مؤشرات واضحة على توجّه إدارة الرئيس دونالد ترامب نحو تحسين العلاقات الأميركية–التركية، في إطار إعادة ترتيب التحالفات الإقليمية. ذلك نتيجة التغييرات التي حصلت في المنطقة بعد حرب "طوفان الأقصى" وسقوط نظام الأسد في سورية، بالإضافة الى تعثّر المفاوضات الأميركية - الروسية بشأن الحرب في أوكرانيا.

هذه التغيرات، دفعت واشنطن إلى إجراء عملية موازنة دقيقة بين التمسك بالورقة الكردية وبين الحفاظ على العلاقة الإستراتيجية مع تركيا. إذ إن الإضرار بالعلاقة مع أنقرة، من وجهة نظر الإدارة الأميركية، لا ينعكس فقط على الملف السوري، بل يمتد إلى ملفات دولية أخرى، أبرزها الحرب في أوكرانيا، حيث تؤدي تركيا دورًا محوريًا فيه. هذا التحوّل لا يعني تبدّلًا إستراتيجيًا دائمًا، بل خطوة تكتيكية مرتبطة بالحاجة الأميركية إلى توظيف تركيا، وهي العضو في حلف الناتو، أداة ضغط على أوروبا، لا أكثر. 

بناء على ما تقدم؛ وقع الاتفاق الذي جرى بين الولايات المتحدة وتركيا و"إسرائيل"، ومع السلطة الانتقالية في دمشق، أن تبقى الأراضي سوريّة، من حيث السيادة الشكلية، مقابل وصاية تركية فعلية على الشمال السوري وصولًا إلى تخوم الموصل، من دون حكمٍ مباشر.

في موازاة ذلك، يؤكد مراقبون لهذه التغييرات أن الادّعاءات المتداولة عن "استعادة الثروات الوطنية" لسورية ليست صحيحة. إذ إن عقود النفط والغاز وُقّعت مع شركات أميركية وتركية، فيما بات ملف القمح والغذاء خاضعًا لشركات إقليمية ودولية. بحسب هذه المعطيات، فإن سورية تُدار اليوم بوصفها كيانًا اقتصاديًا منزوع السيادة، تُوزّع موارده وفقًأ لمنطق الحصص، فيما يُترك الشعب السوري لمواجهة أزماته المعيشية من دون أي أفق حقيقي للتحسن.

في المحصلة؛ تتجه الولايات المتحدة حاليًا نحو بناء نظام إقليمي جديد، يكون فيه دور محوري لـــ"إسرائيل" وتركيا والسعودية على حساب مصالح الشعب السوري الغارق في فقره ومشكلاته. إن سورية، اليوم، تمر بمرحلة هي الأخطر في تاريخها الحديث، ليس فقط بسبب التدخلات الخارجية، أيضًا نتيجة التفكّك الداخلي والتناحر بين أبناء الوطن الواحد، والذي لا يخدم إلّا الاحتلال "الإسرائيلي" الذي يراكم مكاسبه بهدوء.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد