أوراق سياسية

الميكانيزم.. بين التطلعات اللبنانية والأهداف الإسرائيلية!.. 

post-img

غسان ريفي (سفير الشمال)
    

تتّسع الهوة يوماً بعد يوم بين المقاربة اللبنانية والمقاربة الإسرائيلية لما يُعرف بـ”لجنة الميكانيزم” المنبثقة عن اتفاق وقف إطلاق النار، في مشهد يعكس صراعاً واضحا، ويكشف عن أهداف متناقضة تجعل من عمل هذه اللجنة ساحة مواجهة بحدّ ذاتها.

منذ انطلاق عمل الميكانيزم، ينظر لبنان إليها كأداة تقنية – أمنية محضة، هدفها الأساسي ضبط تنفيذ بنود وقف إطلاق النار، وممارسة الضغط على العدو الاسرائيلي للالتزام بتعهداته، بدءاً من الانسحاب من النقاط الخمس المحتلة، مروراً بوقف الاعتداءات والاغتيالات، وصولاً إلى إطلاق الأسرى وتهيئة الظروف لإعادة الإعمار.

في المقابل، يبدو واضحا أن إسرائيل تسعى إلى تفريغ “الميكانيزم” من مضمونها الأمني وتحويلها تدريجياً إلى منصة سياسية – اقتصادية، تمهّد لمسار تطبيعي مرفوض لبنانياً.

ووفق مصادر سياسية مواكبة، فإن “تل أبيب تضغط باتجاه توسيع تركيبة اللجنة عبر تعيين المزيد من المدنيين، ونقل النقاش من الإطار العسكري – التقني إلى ملفات سياسية واقتصادية، إضافة إلى طرح عقد الاجتماعات في أماكن خارج الجنوب، سواء في بيروت أو حتى في تل أبيب، في خطوة تحمل دلالات تطبيعية واضحة يراد منها التأسيس لعلاقات ثنائية مباشرة بين لبنان وإسرائيل.

هذا الطرح، الذي يرفضه اللبنانيون جملةً وتفصيلاً، يعكس محاولة إسرائيلية منهجية لاستدراج لبنان إلى مسار سياسي جديد تحت غطاء تقني، في وقت تواصل فيه إسرائيل خرق وقف إطلاق النار بشكل يومي، وتستخدم فائض القوة والاغتيالات والاعتداءات كوسيلة ضغط لفرض وقائع جديدة على الأرض.

وتشير المصادر نفسها إلى أن إسرائيل لا تتعامل مع “الميكانيزم” كآلية لتنفيذ الاتفاق، بل كمطية سياسية لتغطية عدوانها ووحشيتها، وكأداة ابتزاز تهدف إلى دفع لبنان نحو الاستسلام لشروطها، وعلى رأسها فرض منطقة عازلة مقنّعة بشعارات اقتصادية وأمنية.

وفي هذا السياق، يصبح تعطيل وظيفة “الميكانيزم” جزءاً من استراتيجية أوسع تستخدم “الحديد والنار” لفرض معادلات جديدة تتجاوز نص وروحية اتفاق وقف إطلاق النار.

أمام هذا الواقع، ترى أوساط متابعة أن الحديث عن قدرة “الميكانيزم” على تحقيق أي إنجاز فعلي ضمن بنود الاتفاق يبدو أقرب إلى الوهم، في ظل التعنت الإسرائيلي وغياب أي نية حقيقية للالتزام. فكيف يمكن للجنة أن تنجح في فرض وقف الاعتداءات أو تأمين الانسحاب أو إطلاق الأسرى، فيما الطرف الإسرائيلي يستخدمها كغطاء سياسي لاستمرار العدوان والضغط بإتجاه التطبيع؟

يمكن القول، إن الميكانيزم، بدل أن تكون مساحة لتثبيت الاستقرار في جنوب لبنان، تحولت إلى ساحة اشتباك سياسي تعكس موازين القوى واختلاف الأهداف، فبينما يتمسك لبنان بوظيفتها الأصلية كآلية تنفيذية لوقف إطلاق النار، تصرّ إسرائيل على توظيفها في مشروع تطبيعي مرفوض، ما يجعل الهوة بين الطرفين “سحيقة”، ويضع مستقبل اللجنة برمّته أمام علامات استفهام كبرى.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد