نجوى الموسوي/ قاصة وكاتبة
"قناع بلون السماء"، عنوان الرواية التي كتبها الأسير الفلسطيني "باسم خندقجي"، سُرّبت مخطوطاتها من داخل الزنزانة "الصهيونية" ونشرتها دار الآداب في بيروت.
أثارت الرواية جدالًا منذ صدورها قبل تحرُّر الكاتب؛ فدارت حولها زوبعة من الأسئلة: هل تعدّ هذه الرواية من أدب السجون وهي لا تتحدّث عن الأسير داخل السجن؟ وهل حقّقت هدفًا في إثارة القضية الفلسطينية من منظار مختلف خارج المألوف؟ هل صورت الوقائع وطموحات أصحاب الأرض بعد ثمانين عامًا من اغتصابها؟ أم أنها حملت سمات تطبيعيّة وغاصت في هموم سكان القدس المحتلين؟
في هذه المقالة محاولات للإجابة عبر جولة في بعض دلالات الرواية.
كثرت فعلًا الضجة حول "قناع بلون السماء"، في عدة مقالات وندوات نقاشية. لعل بعض التساؤلات تبدأ من غلاف الرواية؛ أي العتبة الأولى قبل العنوان.
يُعدّ الغلاف، في العمل الأدبي، "أولى النوافذ التي يطلّ منها القارئ على النص. إذ يُجسِّد تفاعلًا بصريًا ودلاليًا يسبق الدخول في العوالم السردية (دلهوم 2025). في غلاف "قناع بلون السماء"؛ تطالعك صورة خلفية وكبيرة هي المشهورة للمسجد الأقصى، أيقونة توحي بهوية القدس الدينية الإسلامية، وأمامها قطعة من سجادة تراثية فلسطينية، فهي دليل الهوية الفلسطينية العربية، وتحتها تبرز أطراف بطاقة هوية زرقاء ممَوّهة، كأنها علامة على هوية تائهة غير واضحة المعالم، يقف قربهما شابٌ أبيض يرتدي نظارات شمسية، ويقف على رجل واحدة ويسند الرجل الثانية إلى الخلف..
بعد قراءة الرواية يتبيّن أنها رمز عن شخصية الشاب "أور شابيرا"، وهنا نسأل ماذا تعني هذه الوقفة على رجلٍ ونصف؟ لعلها تعني الوقوف من غير استقرار كامل وتام على الأرض؟ لكن يبرز قرب صورة الشاب الأبيض شابٌ كأنه مرآته إنما بحجم أكبر ولون أسمر، ما يدل على الحجم الأكبر للعربي والحضور الأقوى لصاحب الحق. إذًا، من الغلاف يبدو أن التمسك بالهوية الفلسطينية ما يزال يفرض قوّته "بصريًّا" على حضور الآخر في المدينة المحتلة.
عنوان الرواية الأدبية حظي "بأهمية كبرى في الدراسات السيميولوجية؛ إذ يعدّ نظامًا سيميولوجيًا ذي أبعاد دلالية شديدة التنوع والثراء، وأخرى رمزية؛ فهو عتبة النص وأول لقاء مادي بين المرسل والمتلقي" (برهومة، 2007). في تأمل بسيط، في عنوان "قناع بلون السماء"، ندرك أننا أمام رواية سوف تحكي عن تزييفٍ ما، عن تقمص شخص لشخصية ثانية. هنا؛ يخيّل إلينا أن الطاغي هو حضور الهوية الزرقاء والقناع لونه أزرق بلون السماء، لكننا ندرك دلالة مختلفة لهذا اللون بعد وصول السرد في الرواية إلى ظهور شخصية "سما". هي الفتاة الفلسطينية الأصيلة، والتي تدخل في منعطفات وصعاب وتخرج منها مرفوعة الرأس قوية. هنا؛ نخلص إلى أن العنوان يحمل قيمة فلسطينية ومواجهة للضدّ حين يعدّ القناع الأزرق مسخًا وتزويرًا فتتراجع هنا فكرة التطبيع.
نأتي إلى الحكاية
يحكي السرد عن شخصية شاب فلسطينيّ أشقر، وله لون عينين أزرق، اسمه نور. يريد البحث تاريخيّا عن أسرار تتعلق بمريم المجدلية في فلسطين وهويتها العربية. تدفعه أهداف ثقافية، ومنها الرد على الروائي الأميركي دان براون في شيفرة دافنشي. حين شكّل صعوبة الدخول إلى القدس عائقا في وجهه؛ يفتح له القدر بابا، فيجد في سوق قديم معطفًا قديمًا، ويجد في جيبه هوية زرقاء لشاب يهودي "إشكنازي" له ملامح نور نفسه، ولكنه يدعى أور فيتقمص شخصيته. يدخل نور بقناع شخصية أور شابيرا إلى القدس. نور يشرح القناع بنفسه حين يرسل رسالة إلى صديقه الأسير؛ فيقول: "بالمناسبة يا مراد، هل قلت لك يومًا ما هو مقابل كلمة قناع بالعبريّة؟ إنها تشبه في لفظها كلمة مسخ، وأنا أرتدي مسخًا، بل أنا هو المسخ الذي ولد من رحم النكبة، والأزقّة والحيرة والغربة، والصمت… ولدت من رحم التهميش والتصنيف وسجنك أنت، ولدت من مرآة أور شابير ومن شركة شكيب القصّابي للسياحة والسفر… أنا المسخ يا صديقي، فهل من رحم يلدني مرة أخرى إنسانا؟! هل من سماء أتحلّى بها نورًا ونارا؟» (ص 229).
نور يلبس قناع أور؛ فيدخلنا في صراع عميق بين نفس نور ونفس أور، بين ما يمتلكه نور من معرفة تاريخية لم تطمسها الروايات وما يمتلكه أور من حاضر جغرافي وسرديات مزيفة مفروضة على المنطقة. من تلك الصراعات مثلا، يقول في الرواية (ص177).:
"نور: كيف سنبلغ اللجون؟
أور: بل، قل كيف سنبلغ كيبوتس مجدو؟
نور: بل اللجون.. إنها قرية بأكملها مدفونة أسفل أقدامكم.. يا إلهي، كم أنتم بارعون بإزالة آثار الجريمة يا
رجل! باللون الأخضر.. بالأشجار.. أينما وُجدت الأشجار في بلادي فتلك نكبتي
أور: يا لحقدك يا رجل! الأشجار هي الحياة والتجدّد
نور: بل هي الموت وشواهد القبور".
لكن القضية التاريخية أثيرت في الرواية، من خلال الأوراق التي جمعها نور الباحث في الرواية، وخطّ فيها ما يثير الشبهة في حق اليهود في معالم فلسطينية؛ حتى وجود آثار تتعلق بتاريخهم القديم جدا قبل الميلاد. هنا؛ تنوعت آراء النقاد في ما تقوله الفقرات التاريخية في الرواية. إذ يقول الروائيّ الجزائري واسيني الأعرج: "لا يوجد مقدس تاريخيّ في روايات باسم خندقجي، كل شيء قابل للتأمل والتحليل والنقد، بما في ذلك اتفاقيّات منحت السلطة للبعض، ووضعت البعض الآخر المقاوم في الهامش" (الأعرج، 2023 ).
تجدر الإشارة إلى أن الناقد عاطف الدرابسة استنكر اقتباساتٍ أدرجها الكاتب باسم؛ من "وثائق" ضمن صفحات الرواية، وبدت كأنها تثبت تاريخ اليهود في مدينة القدس؛ وتساءل: لماذا الآن بالذات؟
بدت شخصية نور في تقلّب وحيرة؛ زادهما السخط الذي كان يحمله؛ فهو من جهة خارجٌ من المخيمات وعذاباتها وناقم عليها، ومن جهة هو ابن مناضل قديم لم يحصل من نضاله على شيء؛ يبيع في آخر عمره على عربة على باب المخيم. هو أيضا صديق السجين المعتقل مراد، يعاين معاناة أهله كلما أرادوا زيارته داخل الأراضي المحتلة.. هكذا يبدو نور تائها، يحمل ما يحمل من العذابات ومن سلبيات المجتمع التي تجعله يائسًا وراغبًا بتناسي مآسي قضيته.
يخوص نور غمار البحث في الوثائق فيدخل تدريجيا في أماكن يهودية وتجمعات شبابية، ويلتقى بفتاة فتثور الغرائز في السياق. هنا أخذ الناقد عاطف الدرابسة على باسم الصريح بلغة إباحية؛ لا سيما أن المشهد غير أساسي في تطور الرواية؛ فقال: "لمّح يا باسم ولا تصرّح" (الدرابسة 2023). بعدها يلتقي نور بشخصية سما التي تهزّ الجمود، وتبعث في أفكارها التأمل والأمل مرة جديدة، بمواقفها وثباتها وبآرائها التي لا تخشى التعبير عنها، وبحضورها القوي وتمسكها بالهوية الفلسطينية وحملها هموم مظلومية البلد المحتل وسط بيئة المحتلين المستوطنين؛ مهما كانوا.
في هذا السياق؛ برز التساؤل الأهم في الرواية: هل سينحرف نور نحو عوالم أور ويغرق أكثر في حياة ومجتمع "الكيان" أم سيلحق بعالم الصبية "سما" التي بدأ يحبها عميقًا، وهل سيصل إلى ما ينهي حيرته فيعود للتمسك بهويته؟ والمشهد الأخير كان يحمل إجابة رمزية كبيرة؛ حين خلع نور النجمة ورماها ونظر صوب سما.
لكن مع ختام الرواية أيضًا، يسأل الكاتب ياسر مرعي: "هل يكفي أن ينزع نور نجمة داوود عن صدره ليعود كما كان؟ هل هو لاجئ بلا وطن أم رجل يرتدي هوية الآخر ليعرف من هو؟ رواية قناع بلون السماء تتعمّق في سؤال الهوية، لا تقريرًا سياسيًا، بل هي جحيم داخلي يتأجّج كلما توغّلت الشخصية في التقمص، كأن الاحتلال لا يسلب الأرض فقط، بل يعيد تشكيل النفوس في قوالب القهر والتشويه" (مرعي،2025) .
بعض النقاد أيضا وسّعوا الجدل بقولهم: "لماذا يعطي الكاتب بعدا إنسانيا لشخصيّة إسرائيلية؟ لماذا يسمح لشاب فلسطيني أن يُولد من مرآتها؟ هل هي خطّة الوصول للهدف عبر النقيض؟ أم هي الواقعيّة التي علينا أن نسلّم لها؛ فنتقبل الآراء والأفكار كلها التي تسبح في فلك القضيّة الفلسطينيّة، على الأقلّ نعترف ونقرّ بوجودها؟ (السيد، 2024).
بعد هذه الجولات؛ تجدر الإشارة إلى عدة نقاط تتناقض وفكرة أن رواية "قناع بلون السماء" فيها نواحٍ تطبيعية ومنها: أن "البطل" رمى القناع في الخاتمة حين رمى أيقونة الكيان "النجمة السداسية" من عنقه، وهو احترم "سما" من تمسّكت بهويتها دائمًا واختار طريقها الصحيح المنسجم مع ثقافة الفلسطينيين، بعد أن كان في الأساس نابذًا الخذلان والخيانة في شخصيات رفاق والده القدامى الذين سرقتهم المصالح الصغيرة وتأمين احتياجات الدنيا، وتركوا هموم الوطن والسلاح.
ختامًا، إن رواية "قناع بلون السماء" استطاعت الحكي عن مسكوت عنه في المجتمع المقدسي، في حياة عرب ال 48 ، والأجيال الجديدة هناك. كذلك دخلت بعمق في حياة وشخصيات فئة من الشباب اليهودي الذي استوطن البلاد، وراح يغرق في ما تقدمّه حكومة الكيان ومؤسساته من "بروباغاندا" تاريخية مضللة لصناعة دولة قوية.
استطاعت الرواية، أيضًا، أن تشدّ القارئ، فاحتوت عناوين مثيرة للاهتمام وشائقة إلى جانب تقنيات جميلة، واستحضرت روايات شهيرة من الأدب العالمي والعربي. كما استحضرت تقنيات جذابة مثل الكولاج، والاستباق والاسترجاع، مع طريقة إدخال الرواية داخل رواية ووسائل التسجيلات الصوتية والوثائق؛ وقد جاءت كلها داخل تطور الأحداث. ولكن الحقيقة أيضًا هي أن قناع بلون السماء" ما تزال كذلك تثير ضجة وجدالًا واسعًا وانتشارا واسعا أيضًا، وكأن ذلك كله يدفع القارئَ ليقرر بنفسه، ولكن ما أصبح مسلّما به هو التناقضات زادت في الإقبال على الرواية.

أخيرًا؛ ربما يحسم باسم خندقجي الأمر بنفسه بعد أن أصبح حُرًا أكثر، وقد خرج من الأسر في إحدى مراحل صفقات التبادل بعد عملية "طوفان الأقصى"، وبعد أن صدر له الجزء الثاني من الرواية، والذي جاء بعنوان "سادن المحرقة"، فعسى أن تتبدى فيه الإجابات الشافية.
أبرز المراجع:
- دلهوم بشرى: سيمياء الغلاف، موقع مجلة إيلزا 2025.
- برهومه، عيسى عوده: سيمياء العنوان في الدرس اللغوي. المجلة العربية للعلوم الانسانية، جامعة الكويت، 2007، العدد 97، ص 25.
- الدرابسة، عاطف: ندوة مناقشة رواية "قناع بلون السماء" عبر منصة "الساردون يغردون الإلكترونية"، 2023.
- الأعرج، واسيني: أقنعة الهوية، موقع https://www.alquds.co.uk/
- مرعي ياسر: عبور الهوية على جسر المستحيل، https://www.m3aarf.com/
- السيد، نور: تساؤلات حول الهوية والواقعية: 2024https://jaryda.com/2024/08/16/