عماد ياغي (صحيفة البناء)
في لبنان، لا تحتاج الحكومة إلى وزارة للتخطيط بقدر ما تحتاج إلى دفتر جودي أبو خميس. ذاك الدفتر الشهير في مسلسل “ضيعة ضايعة”، حيث تُسجَّل الوعود، وتُحفَظ الشكاوى، وتُؤجَّل الحلول إلى زمن غير معروف، يشبه تماماً الطريقة التي تتعامل فيها السلطة مع حقوق العاملين في القطاع العام. فبدل أن تُصحَّح الأجور، وتُرمَّم الكرامات، وتُعاد الحياة إلى رواتب أكلتها الأزمة كما يأكل الصدأ الحديد، نرى حكومةً تمسك القلم، تكتب الوجع، وتغلق الدفتر… ثم تعود إلى النوم.
الحكومة في هذا البلد، وإنْ عجزت عن تصحيح الأجور، فقد أتقنت فن الإنتاج الدرامي، فضربت الرقم القياسي في صناعة أطول مسلسل في تاريخ المعاناة الاجتماعية، بعنوان عريض: تصحيح أجور العاملين في القطاع العام. مسلسل بطولة الوعود، إخراج اللجان، وتمثيل الانتظار المفتوح على جميع المواسم بلا نهاية واضحة. لم تنجح الدولة في تصحيح الرواتب، لكنها نجحت بامتياز في تمديد الحلقات، حيث تتبدّل العناوين وتبقى النهاية معلّقة، ويُعاد بث الألم يومياً بنكهة جديدة.
العامل في القطاع العام لم يعد موظفاً، بل صار بطلاً تراجيدياً. يخرج من بيته صباحاً لا ليسأل: كيف سأؤدي عملي؟ بل ليسأل: كيف سأصل؟ وكيف سأعود؟ وكيف سأؤمّن خبز أولادي؟ الراتب الذي كان يوماً ما يُشكّل ضمانة الحد الأدنى من العيش الكريم صار اليوم مجرّد رقم بلا روح، كعملة قديمة معروضة في متحف الانهيار. الحكومة تعرف ذلك، تحفظه عن ظهر قلب، لكن معرفتها لا تتجاوز حدود “التدوين”. كل شيء يُسجَّل: المعاناة، الاعتراضات، الإضرابات، التصريحات، لكن لا شيء يُنفَّذ.
تصحيح الأجور في لبنان تحوّل من حق إلى نكتة ثقيلة الظل. تُعلن الحكومة لجاناً، واجتماعات، ودراسات، وجداول، ومؤشرات، وكأن الموظف يعيش على الورق لا على الأرض. المواطن يسمع مصطلحات كبيرة، لكنه في نهاية الشهر يسمع صوتاً واحداً في جيبه: الفراغ. الدولة تتصرّف كمن يواسي مريضاً بالكتابة عن ألمه بدل إعطائه الدواء. تقول له: “نحن معك”، ثم تتركه يصارع الفقر وحده.
الطريف المبكي أن الحكومة تتحدث عن الإنتاجية، بينما الموظف بالكاد ينتج قدرة على الصمود. كيف تطلب من موظف أن يكون نشيطاً وهو يفكّر طوال الدوام كيف يقتصد في ربطة خبز أو صفيحة بنزين؟ تصحيح الأجور ليس ترفاً ولا منّة، بل هو الحدّ الأدنى لإبقاء الدولة واقفة على قدميها. لكن حكومتنا اختارت أن تجعل القطاع العام يعيش على الإنعاش الكلامي بدل العلاج الفعلي.
في كل مرة يطالب الموظفون بحقوقهم، تُخرج الحكومة دفتر جودي أبو خميس: نكتب الملاحظات، نبتسم، نَعِد، نؤجّل، نُشكّل لجنة، ونضيف سطراً آخر إلى سجل المعاناة. كأن السلطة تعتبر أن التوثيق بحد ذاته إنجاز. وكأن المشكلة ليست في الجوع بل في نقص الأرشفة. الموظف لا يريد أن يُكتب اسمه في محضر جلسة، بل يريد أن يُكتب راتبه الحقيقي في حسابه المصرفي، لا أن يتحول آخر الشهر إلى ورقة اعتذار رسمية.
المفارقة أن الدولة التي تعجز عن تصحيح أجور موظفيها تُتقن فن تصحيح خطابها. تتقن تبرير العجز، وشرح الأزمة، وتدوير الزوايا، وإقناع الناس بأن الصبر بطولة. لكن الصبر حين يتحوّل إلى سياسة يصبح شريكاً في الجريمة. الموظف خُلق ليكون مواطناً منتجاً يشعر أن دولته لا تتعامل معه كرقم فائض عن الحاجة.
الأخطر أن انهيار الأجور لا يضرب الجيب فقط، بل يضرب المعنى. حين يفقد الموظف شعوره بالقيمة تبدأ الدولة بالتفكك من الداخل. الإدارات تتحوّل إلى مبانٍ بلا روح، والدوائر إلى طوابير من التعب، والوظيفة العامة إلى رحلة إذلال يومية. الحكومة تعرف هذا أيضاً، لكنها تفضّل إدارة الأزمة بدل حلّها، وتدوين الكارثة بدل إيقافها.
كل حديث رسمي عن “تصحيح قريب للأجور” يشبه إعلان موسم مطر في صحراء سياسية. نسمع عنه كثيراً، لكننا لا نراه. تمر الأشهر، تتبدل الحكومات، وتتغيّر اللهجات، ويبقى الموظف ثابتاً في مكانه. لا خطة شاملة، ولا رؤية عادلة، ولا ربط حقيقي بين الأجر وكلفة المعيشة. فقط ترقيع هنا، ومساعدة هناك، وفتات يُقدَّم على أنه إنجاز تاريخي.
الحكومة تتعامل مع القطاع العام كأنه عبء لا كأنه عمود الدولة. تنسى أن الموظف هو من يشغّل الإدارات، ويعلّم في المدارس، وينظّم في البلديات، ويؤمّن الحد الأدنى من انتظام الحياة. حين تضعفه، فهي تضعف نفسها. لكن منطق السلطة في لبنان غريب: تقطع الشريان ثم تتساءل لماذا الجسد يتعب.
والأكثر سخرية أن المسؤولين يناقشون رواتب الموظفين بلغة الأرقام الجافة، بينما الموظف يناقشها بلغة الخبز والدواء والكرامة. هم يرون بنداً في الموازنة، وهو يرى قسط مدرسة، ووصفة طبية، وفاتورة كهرباء. الفجوة ليست مالية فقط، بل إنسانية. حكومة تنظر من فوق، وموظف ينظر من تحت، والدفتر بينهما يمتلئ ولا يفرغ.
لبنان اليوم لا يحتاج إلى دفاتر جديدة، بل إلى قرار شجاع: إعادة الاعتبار للأجر كحق لا كمنّة. تصحيح الأجور ليس أزمة تقنية بل خيار سياسي وواجب اجتماعي. إما أن تكون الدولة مع موظفيها أو عليهم، إما أن تحميهم من الانهيار أو توثّق سقوطهم بالحبر الرسمي.
في مسلسل “ضيعة ضايعة” كان دفتر جودي أبو خميس مادة للضحك، أما في لبنان فقد صار دفتر الحكومة مادة للبكاء. الفرق أن المشاهد تنتهي في “ضيعة ضايعة”، بينما معاناة الموظف مستمرة بلا موسيقى ختام. كل يوم عمل هو حلقة جديدة من مسلسل اسمه “الراتب الذي لم يصل”.
وفي النهاية، السؤال ليس: متى تُصحَّح الأجور؟ بل: هل تريد الحكومة فعلاً أن يبقى القطاع العام حياً؟ لأن الدولة التي تكتب حقوق موظفيها في دفتر، ولا تكتبها في حساباتهم، تتحول تدريجياً إلى دولة بلا موظفين، وبلا رؤية، وبلا مستقبل.
لبنان لا يحتاج إلى شخصية كشخصية جودي أبو خميس، بل إلى حكومة تمزّق الدفتر، وتستبدل القلم بالفعل، والوعود بالقرارات، والتسجيل بالتنفيذ. عندها فقط يمكن للموظف أن يفتح دفتر حياته بدل أن يبقى حبيس دفاتر الدولة.