اوراق مختارة

برج حمود في دائرة الخطر ... مُنشآت تخزين الغاز المسال والمواد النفطيّة بين المنازل

post-img

ربى أبو فاضل (صحيفة الديار)

من قلب بيروت، وتحديدا من منطقة برج حمود المعروفة بكثافتها السكانية وتشابك أحيائها السكنية مع المنشآت الصناعية، تتصاعد أصوات التحذير البيئي والأمني بصمت، على وقع التوسع المتسارع في منشآت تخزين الغاز المسال (LPG) والمواد النفطية، لا سيما في المنشآت العائدة لشركة كورال (CORAL)، في ظل غياب الشفافية والالتزام بمعايير السلامة الدولية، إلى جانب ضعف الرقابة الرسمية، وغياب خطط طوارئ واضحة، لمواجهة أي تسرب أو انفجار محتمل، ما يضع المنطقة وسكانها أمام مخاطر جدية قد تنفجر في أي لحظة.

الزين : لا يجوز المباشرة بأي أعمال قبل الحصول على موافقة وزارة البيئة

وفي اتصال مع وزيرة البيئة تمارا الزين للاستفسار عما إذا كانت شركة "كورال" قد قدمت أي دراسة للأثر البيئي لمشروعها، أكدت الزين لـ"الديار" أن وزارة البيئة "لم تتلق حتى تاريخه أي دراسة من هذا النوع"، موضحة أن "دور الوزارة يأتي بعد استحصال الجهة المعنية على التراخيص الأساسية من الإدارات المختصة" ، وشددت على "أن السؤال في هذه المرحلة يجب أن يوجه أولا إلى الجهات المعنية كالمحافظة أو البلدية".

ولفتت إلى أن" وزارة البيئة تعمل حاليا على إعداد كتاب رسمي، لطلب وقف الأعمال مؤقتا، إلى حين استكمال الإجراءات القانونية المطلوبة وفق الأصول"، مؤكدة أن "هناك جهات عديدة مسؤولة عن إعطاء التراخيص كل بحسب اختصاصه، فيما يقتصر دور وزارة البيئة على الشق البيئي وتقييم الأضرار البيئية المحتملة".

وختمت بالتأكيد أنه "لا يجوز المباشرة بأي أعمال، قبل الحصول على موافقات جميع الجهات المختصة، وفي مقدّمها وزارة البيئة".

مصدر في "الطاقة": الترخيص النهائي لا يصدر عن الوزارة

مصدر في وزارة الطاقة أكد أن "الوزارة دورها يقتصر على الدراسة الفنية للملفات"، وأوضح أنه "في عام 2017 خلال ولاية الوزير سيزار أبي خليل، جرى إعداد دراسة ملف فني، وفق المرسوم 5009، وأُعطي رأي فني يسمح بتوسيع المنشأة لكن الترخيص النهائي لا يصدر عن وزارة الطاقة، بل عن المجلس الأعلى للتنظيم المدني، بعد استكمال الدراسات من مختلف الوزارات المعنية".

منشآت التخزين موجودة في المنطقة منذ عقود

في هذا الإطار، أكد رئيس "جمعية الأرض – لبنان" والناشط البيئي بول أبي راشد لـ"الديار" أن الجمعية تابعت هذا الملف عن كثب، بعد تلقيها شكاوى ومراجعات من سكان ومؤسسات في برج حمود وبيروت، أعربوا فيها عن مخاوفهم المتزايدة، من وجود كميات ضخمة من الغاز المسال والمواد الهيدروكربونية داخل منطقة مأهولة، وغياب أي معلومات واضحة حول إجراءات السلامة، أو خطط الطوارئ أو التقييمات البيئية المرتبطة بهذه المنشآت".

وأضاف أن "الهدف من متابعة الجمعية، ليس توجيه الاتهامات أو الانخراط في سجالات، بل دق ناقوس الخطر حيال مخاطر حقيقية وموثقة تهدد السلامة العامة والبيئة، والدعوة إلى مقاربة وقائية ومسؤولة، تضع حياة الناس فوق أي اعتبارات أخرى، قبل وقوع أي حادث محتمل، يمكن أن يتحول إلى كارثة واسعة النطاق".

واشار إلى أنه "بحسب المعطيات التي جمعتها الجمعية، فإن منشآت التخزين العائدة لشركة CORAL موجودة في المنطقة منذ عقود، غير أن صورا جوية ووثائق إدارية ومراسلات رسمية تظهر، أنه منذ عام 2017 جرى تنفيذ أعمال إعادة تأهيل وتوسعة جوهرية، شملت إنشاء خزانات جديدة وزيادة ملموسة في القدرة التخزينية، وتعديلا في طبيعة وحجم المواد المخزنة"، وأوضح إلى "أن المعلومات المتقاطعة تشير إلى أن الموقع بات يضم أو يتجه لضم ما لا يقل عن 12 ألف متر مكعب من الغاز المسال، إضافة إلى كميات كبيرة من المواد النفطية الأخرى، وكل ذلك ضمن نطاق حضري مكتظ، يفتقر إلى مناطق عازلة أو مسافات أمان فعلية".

تجدر الإشارة إلى أن شركة كورال (CORAL)  هي شركة خاصة تعمل في استيراد وتوزيع المحروقات والغاز في لبنان، وتزود المحطات التابعة لها (أو العاملة بشعارها) بالوقود، تأسست عام ١٩٢٥ في المملكة المتحدة، وسجلت فرعها في لبنان عام ١٩٢٦ ، وكانت تعمل تجاريا تحت إدارة Shell حتى عام 1976، ثم أصبحت معروفة باسم Coral

أيّ حادث قد يتحول إلى كارثة إنسانية وبيئية

ويحذر أبي راشد من أن" وجود هذا الحجم من المواد شديدة القابلية للاشتعال والانفجار داخل منطقة مأهولة، يرفع مستوى المخاطر إلى درجة استثنائية"، موضحا أن "أي حادث محتمل، حتى وإن كان محدودا، قد يتحول إلى كارثة إنسانية وبيئية واسعة النطاق، في ظل الكثافة السكانية المحيطة وضيق المساحات وصعوبة الإخلاء أو التدخل السريع".

أما على صعيد الأثر البيئي، فيؤكد أن "مرسوم تقييم الأثر البيئي رقم 8633/2012 ، يفرض إجراء دراسة تقييم أثر بيئي إلزامية، قبل إنشاء خزانات النفط والغاز أو توسيعها"، ويشير إلى أنه "لا تتوافر أي أدلة على إجراء دراسة شاملة ومحدثة، تغطي التوسعات المنفذة منذ عام 2017 "، معتبرا أن "هذا الغياب لا يمثل مجرد نقص في الشفافية، بل يشكل مخالفة قانونية صريحة وانتهاكا واضحا لمبدأ الوقاية البيئية".

وشدد على أن "تخزين آلاف الأمتار المكعبة من الغاز المسال، يعد من أخطر الأنشطة الصناعية عالميا، نظرا إلى إمكا وقوع حوادث ذات تأثيرات حرارية وضغطية، تمتد إلى مسافات بعيدة وتلحق أضرارا جسيمة بالأشخاص والممتلكات والبنى التحتية، خصوصا عندما تقع هذه المنشآت داخل نسيج عمراني كثيف، يفتقر إلى مسافات فصل ومناطق أمان". واضاف "تشير الدراسات الهندسية الدولية إلى أن إدارة هذه المخاطر، لا يمكن أن تقتصر على تجهيزات تقنية داخل الموقع، بل تستوجب تقييما شاملا للمخاطر التراكمية، ودراسة سيناريوهات الحوادث القصوى، وتحديد نطاقات التأثير المحتملة خارج حدود المنشأة، وإعداد خطط طوارئ واضحة ومعلنة للسكان والسلطات المعنية".

ماذا يقول القانون؟

أما على المستوى القانوني والتنظيمي يلفت إلى أن "المرسوم رقم 9949/2013 الصادر عن مجلس الوزراء والذي صادق على التصميم التوجيهي والنظام التفصيلي العام للمنطقة الصناعية في برج حمود يفرض قيودا واضحة على الأنشطة الصناعية الخطرة داخل النطاق الحضري ويلزم بمراعاة القرب من المناطق السكنية والمرافق العامة وبموجب هذا المرسوم فإن أي توسعة أو زيادة في القدرة التخزينية أو تعديل في طبيعة النشاط بعد عام 2013 يجب أن يخضع لأحكامه بشكل كامل ولا يمكن تبريره بموافقات إدارية أو كتب صادرة عن وزارات أو إدارات أدنى مرتبة".

ويضيف أن "المرسوم التقني رقم 5509/1994، الذي يستند إليه غالبا لتبرير واقع هذه المنشآت يقتصر على تحديد شروط السلامة التقنية والتشغيلية ولا يشكل ترخيصا تخطيطيا أو عمرانيا ولا يمنح أي استثناء من أنظمة التنظيم المدني ولا يتناول أصلا مسألة ملاءمة موقع منشأة بهذا الحجم داخل نسيج حضري مأهول كما أن هذا المرسوم لا يلحظ منشآت تصنف وفق المعايير الدولية ضمن فئة المنشآت ذات الأخطار الكبرى".

لتعزيز التنسيق بين الوزارات والإدارات المعنية

وفي ما يتعلق بالتراخيص الصناعية، أشار إلى أن "تخزين كميات كبيرة من الغاز المسال يفرض وفق القوانين اللبنانية تصنيف المنشأة ضمن الفئة الأولى (A1) وهي الفئة المخصصة للأنشطة ذات المخاطر العالية ، والتأثير المحتمل الواسع في السلامة العامة والبيئة، ويستتبع هذا التصنيف الحصول على ترخيص صناعي صريح ومحدث يعكس الحجم الفعلي للنشاط وطبيعة المواد المخزنة وتدابير الوقاية المعتمدة غير أن المعلومات المتوافرة لا تظهر بوضوح، أن الإطار الترخيصي الحالي يعكس واقع التوسعات، التي نفذت خلال السنوات الأخيرة".

وناشد أبي راشد وزارة الطاقة والمياه إلى "تعليق العمل بالموافقة السابقة الصادرة عام 2017 ووقف أي أعمال توسع إضافية، إلى حين التحقق من الالتزام الكامل بجميع المتطلبات القانونية والتنظيمية والبيئية، وإجراء تقييم مستقل ومحدث للمخاطر"، كما طالب وزارة البيئة "بالتحقق من إجراء دراسة تقييم أثر بيئي وفق الأصول، واتخاذ الإجراءات اللازمة لوقف الأعمال في حال عدم استيفاء هذا الشرط، داعيا الحكومة اللبنانية إلى تعزيز التنسيق بين الوزارات والإدارات المعنية واعتماد مقاربة شاملة لهذا الملف".

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد