ندى عبد الرزاق (صحيفة الديار)
نحن اليوم في عام 2026، بعد نحو عام على انطلاق عهدٍ جديد رُفعت معه آمال باستعادة الأمن وتعزيز سلطة الدولة، غير أنّ التحديات الأمنية ما زالت حاضرة، فيما لا تزال البلاد تشهد بين حين وآخر حوادث مقلقة، تكشف صعوبة المرحلة وتعقيد الواقع الاجتماعي والأمني، وتفرض مقاربة جدية تتجاوز ردود الفعل الآنية إلى معالجة بنيوية مستدامة.
فحين لا يشعر المواطن بالاطمئنان حتى داخل منزله، وحين تُستغل صفات مهنية أو إنسانية لأغراض جرمية، يصبح من الضروري تطوير أدوات الوقاية والمحاسبة، وتعزيز التنسيق بين القضاء والأجهزة الأمنية، بما يحوّل الأمن إلى مسار ثابت لا إلى استثناء، ويترجم الوعود بخطوات عملية تعيد الطمأنينة إلى حياة الناس.
الادعاء: تزوير!
من هنا، يفرض السؤال البديهي نفسه: لماذا يُسمح بانتحال الصفات؟ أين الجهات المسؤولة عن تنظيم هذا القطاع وضبطه؟ إذا كان الفاعل عامل توصيل، فمن منحه الصفة؟ ومن راقبه؟ ومن تحقّق من هويته؟ وإذا كان يستخدم دراجة نارية، فلماذا تكون مسروقة؟ ولماذا لا يوجد تتبّع فعلي وجدي لكل هذه التفاصيل، التي يفترض أن تكون بديهية في أي دولة تحترم مواطنيها؟
ومن هذا المنطلق، لا يمكن إنكار مظاهر التراخي، او تجاهل غياب العقوبات الرادعة التي تجعل أي شخص يفكّر مئة مرة قبل الإقدام على جريمته. الأمن لا يُبنى بالشعارات، ولا بالبيانات، ولا بالوعود المؤجلة. الأمن يُبنى عندما يشعر المواطن أنه ليس مضطرا لأن يعيش خائفا داخل بيته، ولا أن يحوّل مسكنه إلى حصن، ولا أن يدفع ثمن سلميته وحسن نيته.
الأمور «مش تمام»؟
وعن كل هذه الموضوعات، يقول مصدر أمني رفيع المستوى لـ «الديار»: «في ما يتعلّق بجريمة جسر الباشا، إنّ جريمة القتل وقعت بعد أن حضر عامل التوصيل إلى الشقة للمرة الثانية على ما يُرجَّح. وفي هذه الزيارة، تبيّن له أنّ الشخص الموجود في الشقة رجل مسنّ يعيش بمفرده، فاستغلّ هذا الظرف، ودخل بصفته عامل توصيل، ونفّذ جريمته في واقعة مؤسفة بكل المقاييس».
ويكشف المصدر «عن ملاحقات مكثّفة تطال مختلف أنواع الجرائم على امتداد الأراضي اللبنانية عموما»، مشيرا إلى «ارتفاع كبير جدا في أعداد الموقوفين مقارنة بالعام الماضي، في شتى أنواع الارتكابات الجرميّة». كما يؤكد أنّ «الأجهزة الأمنية تبذل حاليا جهدا كبيرا واستثنائيا في هذا الإطار».
وعن المعلومات المتوافرة بشأن ارتفاع جرائم النشل، التي تُنفَّذ بواسطة دراجات نارية في العاصمة، يشدّد المصدر الامني على أنّ: «المتابعات في هذا الملف مستمرة»، موضحا أنّ «الدرّاج قادر على تنفيذ هذا النوع من التجاوزات بسرعة، إلا أنّه لا يلبث أن يعود ليقع بين أيدي الأجهزة الأمنية».
الإحصاءات فاضحة!
أمّا الباحث في «الدولية للمعلومات» السيّد محمد شمس الدين، فيستعرض لـ «الديار» أرقاما مقلقة، مفنّدا إيّاها بالقول: «إنّ عدد الجرائم ارتفع عام 2025 مقارنة بعام 2024، إذ سُجِّلت 3776 جريمة مقابل 2782 جريمة في عام 2024، أي بزيادة قدرها 994 جريمة، وبنسبة بلغت 36 في المئة».
ويعزو هذا الارتفاع إلى جملة أسباب، أبرزها «تفاقم الأزمة الاقتصادية بعد مرور ستّ سنوات على انطلاقتها، ووجود أعداد كبيرة من غير اللبنانيين، إضافة إلى الأوضاع في سوريا، فضلا عن بعض مظاهر التراخي الأمني».
«الاشغال» خارج المسؤولية
من جهة أخرى، يؤكد مصدر في وزارة الأشغال العامة والنقل لـ«الديار» أنّ «هذا الموضوع مهم جدا وحساس، لكن فيما يتعلّق بكاميرات المراقبة في العاصمة وشوارعها، فإن بيروت لا تندرج ضمن نطاق مهام الوزارة». ويشدّد المصدر على «ضرورة تحديد المسؤول عن الكاميرات وتجهيزاتها»، مشيرا إلى أنّ «هناك كاميرات خاصة، وأخرى وضعتها الدولة في نقاط محددة».
وفي هذا السياق، جاء الرد من قبل «الداخلية» سريعا، إذ تؤكد مصادر رفيعة في الوزارة لـ «الديار» أن: «هناك جزءا من الكاميرات معطل، لكن الجزء الآخر يعمل بشكل طبيعي، ويتابع وزير الداخلية أحمد الحجار مع المعنيين إصلاح ما يمكن إصلاحه في المدى القريب من الكاميرات، لاسيما في العاصمة بيروت التي ترتبط مباشرة بغرفة العمليات في قيادة شرطة بيروت».
ويكشف: «هناك مشروع بعيد الأمد لإنشاء شبكة كاميرات متكاملة، تكون مترابطة مع إشارات السير وغرفة التحكم المروري».
تركيب الكاميرات مهم!
من جانبه، يرى مؤسس «اليازا» الدكتور زياد عقل، أنّ «وجود كاميرات المراقبة أمر طبيعي ومهم جدا، ليس فقط على صعيد النظام وسلامة السير، بل أيضا في مكافحة الجرائم في لبنان بشكل عام، وهو مطلب دائم تناقشه «اليازا».
ويقول لـ«الديار»: «الجانب الإيجابي في ما يتعلق بجريمة جسر الباشا ، هو وجود كاميرات منزلية، لا سيما أنّ المنطقة تقع ضمن نطاق بلدية سن الفيل، وأمل أن يسهم هذا الأمر في تتبّع المجرمين الذين ارتكبوا هذا الفعل البشع».
ويستطرد: «كاميرات المراقبة ضرورية أيضا على مستوى الإشارات الضوئية، إذ كانت موجودة في السابق لكنها تعطلت، ونحن في «اليازا» نطالب بإعادتها لتضبط المخالفات المرتبطة بهذا الجانب».
«ما في تبرير»!
من جهتها، توضح الناشطة الحقوقية المحامية ماريانا برو أنّ: «هناك عدة أسباب تدفع إلى ازدياد كافة أنواع الجرائم، بما في ذلك جرائم السرقة والقتل، فبعض الظروف النفسية قد تدفع فردا ما إلى الشر، بما في ذلك الأوضاع الاقتصادية. إلا أنّه برأي، لا يمكن للإنسان الذي يتحلّى بالقيم أن يعلّل السلب أو يتخفّى خلف أي اعذار لتبرير فعل غير قانوني».
وتضيف: «الكثير من الأشخاص يعملون في أي مهنة، حتى لو كانت جمع النفايات، ويرفضون إيذاء أي إنسان، بينما يأتي شخص في العشرينات من عمره ليسرق سيدة مسنّة تعمل في التنظيف طوال الشهر لتغطية نفقاتها».
وتسأل برو: ما هو المبرر لمثل هذا السلوك؟ فالحرامي سرق عجوزا ولم يهتزّ ضميره، والمسألة في الواقع أن هذا النهّاب، منعدم القيم. معتبرة أن هكذا فعل قد يؤدي إلى ارتكاب جريمة قتل في حال حدوث مواجهة بين اللص والشخص المستهدف، على غرار قضية جسر الباشا، حيث كان الفاعل قد انتحل صفة للوصول إلى الضحية».
اين الدولة القادرة؟ تجيب: «الجرائم لا تتفاقم من جهة الفرد وحده، بل أيضا نتيجة غياب الدولة واستسهال ارتكاب المخالفات بسبب غياب الأمان. ففي أغلب شوارع بيروت، توجد العديد من كاميرات المراقبة، لكن معظمها معطل أو أن التيار الكهربائي مقطوع، ومعظم التحقيقات تفتقر إلى الدقة اللازمة لكشف العصابات. لذا، فإن ضعف هذه العناصر، إلى جانب الوعود التي تلقيناها بدولة قوية، لم تُترجَم حتى اليوم إلى واقع ملموس، ما يجعل من مبدأ الدولة الصارمة الذي عاهده العهد الجديد مجرد شعار لم يتحقق على الأرض».
الاعتداءات تتكاثر
وتكشف: «يتم القبض على العديد من المجموعات والمجرمين، لأن نسبة الجريمة تضاعفت بشكل دراماتيكي ومرعب، وقد يعجز القضاة يوما ما عن إكمال الملفات. وأكبر دليل على ذلك ما تشهده السجون اليوم، وحتى المواطن لم يعد آمنا داخل منزله، إذ يمكن لأي فرد أن يتقمص شخصية ثانية ويدخل بيتا ببساطة، كما جرى في الجريمة الأخيرة حيث أقدم الفاعل على القتل والسرقة. ومن جهة أخرى، هناك أيضا عمال توصيل يرتكبون جرائم، إذ ليس بالضرورة أن يكون هناك تزوير هوية، وقد وصل الأمر إلى انتحال صفة قاضٍ، أو محامٍ، أو ضابط، فهل سيصعب على البعض بعد ذلك انتحال صفة عامل توصيل؟».
التنكر صار عادة!
وتختم: «من الممكن أن يرتكب عمال توصيل، حتى الشرعيون منهم جرائم، لا سيما إذا تردّدوا على منزل وتبيّن لهم أن المالك شخص أو سيدة مسنّة. لذلك أرى أنّه يجب إعادة النظر في الطرق المعتمدة من قبل المواطنين. كما ينبغي الحد من انتشار السلاح المتفلّت، وتطبيق عقوبات صارمة في قضايا ترويج المخدرات والاتجار بها، وضمان وجود أجهزة أمنية متماسكة خالية من الفاسدين، إلى جانب دولة جبّارة تفرض القانون، وتحلي الأهالي والافراد بالوعي. عند توفر هذه المقومات، من الممكن أن تتبدّل الأمور، علماً أنّها جميعها مفقودة اليوم».