اوراق مختارة

ملاحظات قانونية على قرار الحكومة «حظر النشاط العسكري لحزب الله»

post-img

أسامة رحّال/جريدة الأخبار

بعد قرار الحكومة اللبنانية بحظر أنشطة حزب الله العسكرية والأمنية باعتبارها خارجة عن القانون، وملاحقة مطلقي الصواريخ والمسيّرات والمحرضين على ذلك، يقتضي طرح ما يعتري هذا القرار من ثغرات دستورية وقانونية، وفق الآتي:

1. الالتزام بالمواثيق الدولية التي تحفظ حق مقاومة الاحتلال: ذكرت المادة "ب" من مقدمة الدستور أنّ "لبنان عربي الهوية والانتماء، وهو عضو مؤسس وعامل في جامعة الدول العربية وملتزم مواثيقها كما عضو مؤسس وعامل في منظمة الأمم المتحدة وملتزم مواثيقها والاعلان العالمي لحقوق الإنسان. وتجسد الدولة هذه المبادىء في جميع الحقول والمجالات دون استثناء". وقد أكّد اجتهاد القضاء الدستوري اللبناني وقبله الفرنسي، أنّ إحالة الدستور إلى مواثيق الأمم المتحدة يعطي أحكام هذه المواثيق القيمة الدستورية.

في هذا الإطار تؤكد المواثيق والأعراف الدولية على مجموعة من الحقوق الأساسية والجوهرية التي تحفظ حق مقاومة الاحتلال وحق تقرير المصير، بل إنّ حق تقرير المصير هو جوهر البناء الذي قام عليه القانون الدولي الحديث، ومن ذلك:

- حق الدفاع عن النفس: يؤكد ميثاق الأمم المتحدة بمادته 51 على حق الفردي والجماعي بالدفاع عن النفس في حال الاعتداء المسلح أو الاحتلال. وينعقد هذا الحق للشعوب بما فيها للجماعات المسلحة عندما تكون الدولة غير راغبة أو غير قادرة على رد العدوان أو الاحتلال.

- حق تقرير المصير: يرتبط الحق بتقرير المصير بحق الشعوب في مقاومة الاحتلال والعدوان، وأكّدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في غير قرار على حق حركات التحرر الوطني في مواجهة الاحتلال والاستعمار بالوسائل كافة ومنها الوسائل المُسلحة.

عند عطف هذه النصوص والقواعد على مقدمة الدستور اللبناني بفقرتها "ب" التي تنصّ على التزام لبنان بمواثيق الأمم المتحدة، يتضح أنّ حق مقاومة الاحتلال والاعتداء الخارجي المسلح حقٌ ذو قيمة دستورية في لبنان ومحميٌ بموجب القانون الدولي، ولا يمكن للسلطة التنفيذية ولا حتى السلطة التشريعية إصدار قرارات أو تشريعات تحدّ من هذا الحق أو تقيّده.

2. الشعب صاحب السيادة: نصّت مقدمة الدستور على أنّ "الشعب هو مصدر السلطات وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسسات الدستورية"، لكنّ الإشكالية التي تطرح هي: ماذا لو فشلت السلطات الدستورية، باعتبارها أداة ممارسة السيادة، عن حماية السيادة؟ يبقى المنطق الدستوري والقانوني أنّ الصاحب الأصيل للسيادة ومصدرها يكون له الحق في ممارستها بالأصالة، ومن أهم هذه الوظائف وظيفة الدفاع عن الأرض، كما تفتقد المؤسسات الدستورية شرعيتها ومشروعيتها في آن.

3. عدم جواز التخلي عن جزء من الإقليم اللبناني: تحدد المادتين الأولى والثانية من الدستور حدود الدولة وتمنع التنازل أو التخلي عن جزء من أراضيها، باعتبارها "وحدة لا تتجزأ"، هكذا يصبح الأمر الذي وجهته السلطة السياسية للجيش اللبناني بالانسحاب من جزء من الأراضي اللبناني في جنوب لبنان بعد تهديد جيش العدو الإسرائيلي بالتوغل البري فيها، تخلّيًا عن هذه الأراضي، مما يقدّم مثلًا آخر عن تخلي هذه السلطة عن واجباتها الدستورية لا العكس.

4. استعمال وثيقة الوفاق الوطني\اتفاق الطائف بشكل مخالف لمضمونها: تشير مقدمة القرار بناءه على الدستور ووثيقة الوفاق الوطني – اتفاق الطائف، علمًا أنّ العودة إلى اتفاق الطائف والسياقات التي وردت مسألة المقاومة فيها، يظهر أنّ المقاومة كانت غير معنية في مسألة حلّ المليشيات وحصر سلاحها، وذلك من خلال:

● إفراد اتفاق الطائف البند "ثانيًا" لمسألة حل المليشيات ونزع سلاحها، في حين أفرد الاتفاق البند "ثالثًا" لمسالة تحرير الأرض، وذكر واجب "اتخاذ كافة الإجراءات" لتحرير الأرض.

● أشاد بيان اللجنة الثلاثية العربية الذي أعلن إلى العالم نجاح مؤتمر الطائف بـ"المقاومة البطولية التي يقوم بها الشعب اللبناني في الجنوب ضد الاحتلال الإسرائيلي"، بحيث يؤكد ذلك على موقع المقاومة في مناقشات الطائف.

● إنّ عبارة "بقواها الذاتية" التي يستعملها بكثرة رئيس الحكومة نواف سلام بشأن تسليم سلاح المقاومة مذكور في البند "ثانيًا" ولم ترد في البند "ثالثًا" ومقصودها حسب ورودها في الاتفاق وبحسب محاضر الطائف "القوات السورية" بهدف ضمان خروج القوات السورية.

● لم تعتبر الحكومة اللبنانية التي حلّت الميليشيات وسحبت سلاحها، المقاومة ضمن الميليشيات بل وأكدّ رئيسها عمر كرامي أنّه لا يمكن نزع سلاح المقاومة طالما بقي الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب، وقال في إجابة على سؤال حول إمكانية تطبيق القرار الدولي 425: "هذه تمنياتنا، وهذا ما نسعى إليه، ولكنّنا نعرف أنّ إسرائيل تحاول أن تراوغ في هذا الأمر وتتأخر فيه قدر ما تستطيع، وهي تحتجّ بأمور كثيرة، ومنها أن هناك مقاومة ما زالت موجودة، وأنّ هذه المقاومة ستصل إلى حدودها وتدخل الأراضي المحتلة، ونحن نقول إنّه طالما هناك احتلال فلا يمكننا أن نمنع المقاومة أو أن ننزع سلاحها، [...]". وفي إجابة على سؤال آخر حول الموضوع نفسه أجاب كرامي: "سبب وجود المقاومة هو الاحتلال وعندما يزول الاحتلال لن يعود أي سبب للمقاومة".

● في أحد تصريحاته فسّر رئيس الجمهورية إلياس الهراوي المقصود من "كافة الإجراءات" بقوله بـ"وجوب تحرير الأرض بكافة الوسائل المتاحة كما جاء في اتفاق الطائف" معتبرًا أنّ لبنان كله سيتحوّل إلى مقاومة لتحرير أرض الجنوب في حال عدم تطبيق القرارات الدولية"، مشيرًا إلى أنّ "المقاومة ليست حكرًا على أحد، بل هي واجب وطني على جميع اللبنانيين".

وعليه، يتضح أنّ قرارات الحكومة بشأن حظر أنشطة المقاومة العسكرية والأمنية تتعارض مع المبادئ الدستورية والقانونية وتفتقد إلى المشروعية وتخالف اتفاق الطائف.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد