اوراق مختارة

تانغو التوريط التوراتي

post-img

جمال غصن/جريدة الأخبار

عندما خطب بنيامين نتنياهو في الكونغرس الأميركي في صيف 2024، كسر الرقم القياسي لعدد المرات التي يخطب فيها زعيم أجنبي بشاغلي كراسي هذا «الصرح الديمقراطي» كما سمّاه، وإن كانت الكراسي خلال خطبته مجرّد زينة. إذ قضى ممثّلو الشعب الأميركي معظم الوقت واقفين على أرجلهم يصفّقون ويهتفون «بالروح والدم» في حضرة «ملك إسرائيل». الرقم القياسي السابق كان لرئيس الوزراء البريطاني خلال الحرب العالمية الثانية ونستون تشرشل.

تحدّث نتنياهو يومها عن صراع حضارات مع برابرة، وأنه بارتكابه الإبادة في غزة يقاتل عن الغرب كله، وفتحت له واشنطن مخازن سلاحها ليكمل إبادته ويوسّعها لتستهدف من ساند شعب غزة. كان ذلك خلال عهد جو بايدن الذي قمع الحراك الجامعي الواسع ضد الإبادة في تجسيد صادق للقيم الديمقراطية الزائفة. اليوم يقول نتنياهو إنه أخيرًا وجد في دونالد ترامب من يجاريه في توسيع الحرب أكثر وأكثر، ولا داعي لتضييع الوقت في مخاطبة كونغرس بايعه إلى الأبد. مع ترامب تكفي مجاملته شخصيًا ودغدغة نرجسيته ليكون شريكه في تانغو الإبادة.

لكن لا يستخفنّ أحد بغطرسة وعجرفة قائد الإبادة. فنتنياهو لا يعتقد أن بإمكانه إقناع ترامب وزمرته بخوض حربه فحسب، بل هو مؤمن بأن شعوبًا بأكملها ستقدّم له الطاعة وتحارب أعداءه عنه. وإذا كان الكلام عن صراع الحضارات وتفوّق قيم الغرب لا يلقى صدىً خارج جدران الكونغرس الأميركي، فلدى نتنياهو سرديات أخرى حسب المتلقّي.

داخليًا في الكيان العابر، يتحدّث بالعبرية عن اختيار إلهي وجذور تاريخية وعماليق. وبعد أن كان العمليق غزاويًّا بات اليوم فارسيًّا، وقد يأتي يومًا نراه ينعت صهيونيًا بالعمليق إذا ما عارض مشيئته. وفي المنطقة يخطب بشعبٍ إيرانيٍّ متخيّل يواليه، ويعده بِحُرّيّة شاهيّة كان قد ثار هذا الشعب ضدّها واقتلعها إلى غير رجعة. ومع إبراهيميّيه في الجزيرة العربية لا ينطق بالحريّة، فهي كالغاز والنفط لا تنضب، بل يهوّل بتهديد لأمن العروش يأتيهم من شرقهم إن لم يهرعوا للتطبيع مع ملك الملوك غربًا. بنى بنيامين نتنياهو في مخيّلته مملكة لها جيوش مرتزقة تحت إمرته تشاركه في الإبادة التي يظنّ أنه طمسها في غزة.

في الأسبوع الثاني من حرب نتنياهو وترامب الأخيرة، يهدّد الإسرائيلي حكومة لبنان لأنها لم تف بوعد نزع سلاح المقاومة اللبنانية. ينتشر الجيش العراقي على حدود إقليم العراق الكردي مع إيران بطلب من إربيل لمنع ألاعيب وكالة الإستخبارات الأميركية. لم ينضم الإتحاد الأوروبي إلى الهجوم رغم استهداف «أراضيه» بل اكتفى بإرسال حرّاس مرمى إضافيين لحراسة قاعدة عسكرية عدوانية بريطانية خبيثة في قبرص. في الجزيرة العربية تستميت الدفاعات الجوية في الدفاع عن القواعد الأميركية حتّى لو أمطرت شظايا على أبراج الزجاج، لكن لم يصل الأمر إلى أن تنجرّ الجيوش العربية الجرّارة إلى شقّ الخليج وعبوره فداءً لمن باعهم وهم الحماية لعقود من الزمن، وعبر عقود تسليحية بمليارات الدنانير.

حتّى أحمد الشرع «بلا زغرة» حوّل جحافله بسحر ساحرٍ، أو أمر آمرٍ، من مهمة توحيد سوريا وتحقيق حلم توم برّاك إلى وظيفة رصد وملاحقة أشباح أولي البأس في الجنوب السوري المحتلّ. بالإضافة إلى هؤلاء حاول «الإسراميركي» (أو «الأميركئيلي») توريط الهند من خلال إغراق سفينة إيرانية كانت ضيفة في استعراض عندها وقتل عشرات البحّارة كانوا على متنها.

كما حاول زجّ الأذربيجاني والتركي والعماني في حربٍ أغارت فيها طائرات «أقوى سلاحَي جو في العالم» على كل الأهداف العسكرية التي يمكن ضربها من الجو من دون أن تتمكّن من زعزعة نظام الثورة الإسلامية في إيران، فلم يبقَ إلّا الإيذاء الجماعي وتوريط كل من يمكن توريطه في معركة بنيامين نتنياهو والتغطية على جريمة الإبادة الذي ارتكبها ويستمر في ارتكابها في فلسطين.

لا ينبع التردّد في خوض الحرب إلى جانب مرتكبي الإبادة من موقف أخلاقي. يتردّد البعض خوفًا، لأنّه يريد أن يقف مع القوي كائنًا من كان، و«القويّ» لم يثبت في الأسبوع الأوّل من هذه الحرب أنه يملك القوّة التي يدّعيها.

يتردّد آخرون لأن لهم حساباتهم الخاصة للربح والخسارة، وهذه الحرب في دفاترهم خاسرة. أمّا المتردّدون الباقون، وهم من جنس الأنجاس، فمتحمّسون كلاميًّا لحرب نتنياهو وترامب أكثر منهما، لكنّهم أعجز من أن يتبعوا قولهم بفعل. أي قول بأي فعل. هم فصائل حربائية تعوّل على نتنياهو وترامب ليقطفوا ما يطاله لسانهم. أن يعوّل هؤلاء على «أقوى جيوش العالم» لإعلاء شأنهم بين قومهم شيء يمكن تفهّمه على قذارته. أمّا أنّ يعوّل راقصا تانغو الإبادة، ولا ثالث لهما حتّى الآن، على هؤلاء لينجزوا ما يعجزان عنه، فهذه هزيمة حتميّة.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد