اوراق مختارة

أبنية طرابلس: انهيار منظومة كاملة من المسؤوليات

post-img

ملاك عطوي (صحيفة البناء)

انهيار أبنية في مدينة طرابلس وغيرها من المناطق اللبنانية تشبه كرة لهبٍ تتدحرج بلا توقف. إنها مشكلة مركّبة ومتراكمة، لا تُختصر بانهيار جدار أو شرفة، بل بانهيار أبنية برمتها، وانهيار منظومة كاملة من المسؤوليات.

بلدية طرابلس، تؤكد أنّ هناك ما يفوق المئة مبنى تحتاج إلى توجيه إنذارات فورية لإخلائها، ما يعني مئات العائلات المعلّقة بين الخوف والضرورة، بين بناءٍ متصدّع وواقع

معيشي لا يتيح خيار الرحيل.

أبنية متعبة تقف على حافة الموت، فيما سكّانها يعيشون يومهم كأنّ السقف لا يحمل في داخله احتمال السقوط، وسط انهيارات على المستويات كافة: اقتصادياً، اجتماعياً، ومعيشياً. وكأننا أمام موتٍ مؤجَّل، يعرف المواطن أنه قادم، لكنه يجهل توقيته، فيعيش أسير انتظارٍ قاتل: هل ينهار اليوم؟ أم غدًا؟ فوق رؤوس أطفاله؟

الفقر… شريك أساسي في الجريمة،

السبب الأبرز لهذه الكارثة الصامتة هو الوضع الاقتصادي الخانق، الذي فرض سلّم أولويات لا يرحم. المواطن يؤجّل علاجه، يساوم على صحته، ويقنع نفسه بأن الخطر يمكن أن ينتظر، مقابل لقمة عيش بات تحصيلها معركة يومية.

في هذا الواقع المكسور، تتحوّل السلامة العامة إلى كماليات، حتى حين تكون مسألة حياة أو موت.

مسؤوليات ضائعة… وملفّات مركونة،

المشهد يتكرّر بلا تغيير: لا مالك يتحمّل مسؤوليته كاملة، ولا جهة رسمية تتابع حتى النهاية.

إنذارات تُوجَّه بلا تنفيذ.

تقارير تُكتب بلا متابعة.

ملفّات تُركَن في الأدراج… إلى أن يسقط البناء فوق الرؤوس.

الإهمال هنا ليس خللاً إدارياً عابراً، بل جريمة صامتة يعرف الجميع نهايتها مسبقاً.

انهيار، ثم بيانات، ثم تعازٍ، ثم نسيان… بانتظار الانهيار التالي.

طرابلس، المدينة الأثرية، المدينة المكتظّة بالفقر قبل السكن، تقدّم اليوم نموذجاً صارخاً لهذا الموت البطيء.

أحياء كاملة تعيش فوق قنابل إسمنتية، أبنية آيلة للسقوط منذ سنوات، وتقارير مكتوبة وشفهية لم تغادر حدود الكلام.

سياسة الإهمال حوّلت المدينة إلى بؤر كوارث مؤجَّلة، حيث لا تصمد الكلمات أمام الشقوق، ولا البيانات أمام الأسقف العارية.

في لبنان، نقتل أنفسنا بالإهمال، وبالاستهتار، وبسردية واحدة تتكرّر قبل كل انهيار.

الخطر ليس آنيًا فحسب، بل خطر داهم ومستقبلي، خصوصاً في ظل انتهاك مبدأ السلامة العامة، ومنح التراخيص دون تدقيقٍ في التفاصيل، ودون التأكّد من أنّ المقاول وفريقه قد استوفوا جميع الشروط القانونية والمواد المطلوبة لتشييد الأبنية. وعليه، يمكننا القول إننا أمام خطرٍ مستمر، وإنّ الصمت حياله ليس سوى تحضيرٍ مسبق لضحايا جدد.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد