بول مخلوف/جريدة الأخبار
تتناول الفيلسوفة الفرنسية باربرا كاسان اللغة بوصفها قوةً تصنع العالم لا وسيلة تعبير بريئة. تُظهر كيف تتحوّل الضحالة المعجمية والتكرار والتبسيط إلى أدوات شعبوية فعّالة، ويُفرَّغ الكلام من معناه ليُستخدم في إنتاج الهيمنة والعنف. هكذا تكشف الركاكة اللغوية عن منطق سياسي يحكم عبر التفاهة، ويحوّل الخطاب إلى سلاح يومي
تتحفّظ الفيلسوفة الفرنسية باربرا كاسان (1947) على إضفاء أي طابعٍ أنطولوجي أو ميتافيزيقي على اللغة. هي لا ترى فيها وظيفةً كشفية للوجود كما في التصور الهيدغري، ولا تعتبرها كيانًا لا تاريخيًا أو بنية مقدسة وبريئة.
اللغة عندها ممارسة بشرية تاريخية، ومجالٌ للاختلاف والتنازع كما أنها إمكانية للقاء والتفاهم. إنها ليست «منزلًا للكينونة» (هيدغر) إنّما مصنع لإنتاج العلاقات والمعاني والأحداث.
من هذا المنظور، ترى باربارا كاسان أنّ اللغة ليست مجرد وسيلة للتعبير عن «شيء» بل قوّة قادرة على صناعة «شيء»، ولها في هذا الصدد مقولة شهيرة: «الكلام يمكن أن يحوِّل ما يقال إلى شيء موجود».
ميدان للسلطة والهيمنة
ترفض كاسان إذن، اختزال اللغة في كونها مجرد وسيط تواصلي، أو أداة لتمثيل العالم. اللغة ميدان للسلطة والهيمنة والمقاومة، فالكلمات قد تقصي وتهيمن وتضلل، مثلما بإمكانها أن تكون مجالًا للتفاوض والاعتراف والاقتراب.
إنها تخلق معاني، وتنسج علاقات، وهي شرطٌ أساسيٌّ لظهور الإنسان. ذاك أنّ الإنسان لا يدخل الى العالم إلا عبر الكلام. هو ـــ بحسب كاسان ـــ كائن يصاغ لغويًا ضمن شبكة من العلاقات. لا هوية ثابتة هنا بل ذات تتشكّل باستمرار. الانسان كائن «علائقيّ» يتحدّد موقعه من خلال شبكة من الخطابات، والتسميات، وأفعال الكلام.
كأنّ العالم عجينة واللغة هي الخبّاز. على هذا النحو، بوسع اللغة أن تخبز العالم وتحضره كعكةً متصلّبة أو قالب حلوى. العالم، في تصورها، يُفهم ويُعاش من خلال الممارسات اللغوية، أي في القول وفي كيفية أدائه، وليس من خلال تصوّرات جاهزة أو ادعاءات حول «أصالة» معيّنة.
لذلك، تراها تلاحق أثر اللغة أي ما تفعله وما تتركه وراءها. فالفيلسوفة اللغوية المدافعة عن الاختلاف اللغوي، وعن التوتّر الناجم عن سوء الفهم، وعن لغة التداول حيث تستمد المعاني من الاستعمال لا من القواميس، تطارد الخبازين الذين يمعنون في الإخلال بالعجينة بخشونة أياديهم. لذلك، تجد اهتمامها في محاضراتها ومقابلاتها التلفزيونية مصبوبًا على الكشف عن السموم التي تفرزها تلك الأيادي، أي على تقويض خطاب الديكتاتوريين وفضح آلياته.
ثرثرة الفاشيين
باربارا كاسان التي تولي أهمية كبرى للسفسطائيين لأنهم أدركوا باكرًا قوّة الكلام وآمنوا بفاعليته، ترصد عن كثب، مثل مدقق لغوي يقظ، ما تفعله الكلمات في المجال السياسيّ. في النهاية، يتردد صوت الخطاب السياسي في الصدى المسموع في العالم.
الفيلسوفة القائلة «نحن لا نعبّر عن العلاقة، نحن نصنعها لغويًا» تؤمن بقدرة اللغة على التوليد، بمعنى إنتاج وقائع إجتماعية وسياسية: من بناء علاقات، إلى إشعال حروب، إلى ممارسة الإقصاء والهيمنة.
وعليه، فهي تصرّ في إطلالاتها الأخيرة على اقتفاء أثر خبازيّ العالم المعاصر، أي خطاب الساسة حكّام العالم، من ماكرون الى ساركوزي مرورًا ببوتين ووصولًا إلى ترامب. ما نخاله ترّهاتٍ وحماقاتٍ يتفوهون بها تجده باربارا كاسان خطابًا فاسدًا وخطيرًا. خطاب يصنع وقائع تضع الكرة الأرضية على صفيح ساخن. وفي سياق هذه الحماقات، تضرب كاسان مثلًا بالأخطاء الإملائية (حمقاء) التي وردت في نصٍّ للرئيس السابق نيكولا ساركوزي نشر على الموقع الرسمي للرئاسة الفرنسية.
لا تمر الثرثرة، ثرثرة الفاشيين، عند «فيلسوفة الكلمة» بلا إعراب. العالم مع هؤلاء الشعبويين الثرثارين، بات بالونًا منتفخًا قابلًا للانفجار في أي وقت، وكاسان تمسك بإبرةٍ صغيرة تثقب فيها الانتفاخ اللغوي قبل انفجار البالون ووقوع الكارثة. تقف باربرا كاسان عند عتبة اللسانيات لتستقبل ترامب، وترحب به قائلة: «يمتلك دونالد ترامب معجمًا دلاليًا لمراهق في الرابعة عشرة من عمره».
ترامب ظاهرة لغوية عنيفة بقدر ما هو ظاهرة سياسية عنيفة. بهذه السيرة الذاتية الموجزة تختصره. الفيلسوفة التي ترى «أنّ الكلام يفعل» توضح كيف يشن ترامب الحروب بالكلام، ويغتال رمزيًا، ويمارس التضخيم بوصفه استراتيجية سياسية، وهو لا يكذب فحسب، إنما يفرّغ كل الكلام من دلالاته. ترامب بهذا المعنى مفسّد لغوي، وهو لذلك مفسّد أرضيّ.
بلاهة تحكم العالم
باربارا كاسان تفكك دونالد ترامب تفكيكًا لغويًا: «يفتقر إلى معجم لغوي، يكرر الكلمات ذاتها، عاجز بلاغيًا، وهو ضعيف في قواعد لغته». هذا ليس اتهامًا عشوائيًا بل استنتاج على أثر تحليل خطاب الفظ، وتعرية أسلوبه الفج. ما يبدو لنا ابتذالًا مسرفًا هو ما يدفع كاسان إلى التساؤل بكل جدية: كيف يمكن لمن لا يجيد اللغة أن يكون مؤثرًا بهذا الحجم؟ كيف «تمر» مثل هذه الشخصية؟
إنّ «الشعبوية موجودة» تنوّه، وتشرح آليات عملها: تفترض الشعبوية أنّ «الآخر عديم القيمة. من ثم كلما اعتُبر الآخر عديم القيمة، كلما صار الخطاب الشعبوي قابلًا للمرور» وبالتالي، ازدادت قدرة صاحبه على التأثير.
قد يشير هذا الفقر اللغوي المقرون بسلطة مفرطة إلى مفارقة خطيرة، غير أن كاسان توضح أنه تقنية ناجحًا تمكّن الخطاب من الانتشار. حين تفقد الكلمات علاقتها مع الأشياء، وتصير معانيها مجوّفة، تصبح أكثر قابلية للتداول وأشدّ قدرة على التعبئة. وهذا هو المرعب بعينه بنظر كاسان: نجاح هذه النماذج اللغوية وسيادتها.
إنّ «الشعبوية مخيفة»، تشدد باربارا كاسان. فما يبدو لنا مبتذلًا ليس تفاهة وثرثرة عابرة بل طريقة تفكير وجهاز لغوي يقوم على ممارسة التبسيط المفرط، والتتفيه والتسطيح لإنتاج وقائع سياسية واجتماعية واقتصادية. الشعبوية مخيفة حقًا، وهي من داخل الأطر اللغوية ترسم عالمًا غروتيسكيًا، وإذ بالشعبويّ يسعى إلى فرضه كواقع معاش.
مع باربارا كاسان، ننتبه إلى أنّ الضحالة اللغوية، والركاكة في التعبير، وضعف الصياغة التي يمتاز بها حكام العالم، ليست تفاصيل عرضية إنّما مؤشر حقيقيّ إلى بلاهة مقلقة تحكم العالم، وقرائن تؤكد لماذا لغة هؤلاء (الهشة) هي لغة قتل.