أوراق سياسية

السياسة اللبنانية.. بين المناظرات والشتائم

post-img

غسان ريفي (سفير الشمال)
  
أسوأ ما في المشهد اللبناني اليوم هو هذا الدرك الذي وصلت إليه “السياسة” التي تحولت من خدمة الناس وتأمين مصالحها والعمل على بناء الدولة ومؤسساتها وتعزيز الشفافية والمحاسبة والعدالة والمساواة، إلى ساحة لتبادل الاتهامات وكيل الشتائم ونبش القبور وتسجيل النقاط واستعادة مفردات الحرب الأهلية المقيتة التي يجهد اللبنانيون لمسح ذكرياتها الأليمة ولعدم العيش في ظل هواجسها المرعبة التي تظهر مع كلّ تصريح أو عند أي خلاف أو استحقاق.

لا شك في أن خروج بعض التصريحات عن آداب الخطاب السياسي، يستدرج الشارع إلى مواجهات افتراضية على مواقع التواصل الاجتماعي تستخدم فيها كلّ أنواع الأسلحة بما في ذلك المحرمة أخلاقيا، وهو ما يتجسد اليوم بين القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر بعد دعوة رئيس التيار النائب جبران باسيل رئيس القوات سمير جعجع إلى مناظرة علنية.

اللافت، أن دعوة باسيل تضمنت اتهامات بالكذب والخداع وقتل الناس لجعجع الذي لم يأخذ الأمر على محمل الجد وتعاطى معه بسخرية واصفًا باسيل بأنه “رئيس جامعة الكذب”، في ما سارع إعلام القوات عبر شارل جبور إلى اعتبار أن أي مناظرة مع الحكيم سترفع باسيل إلى مصافه، في حين أنه اليوم في حالة انهيار كاملة ولا يرقى حضوره السياسي إلى حضور رئيس القوات، وذلك في محاولة قواتية للإساءة والتعاطي من دونية مع جبران باسيل الذي سبق وتعامل مع رئيس حزب الكتائب سامي الجميل بنفس الأسلوب عندما دعاه في العام 2018 إلى مناظرة، رفضها وأكد أنه “غالبا ما تحصل المناظرات بين قيمتين سياسيتين ولن نعطي سامي الجميل أكثر من حجمه”!..

إذًا، ما مارسه باسيل في حق الجميل قبل ثماني سنوات عندما كان في عز قوته ونفوذه السياسي، يحاول جعجع أن يمارسه اليوم بحقه معتمدا النفوذ نفسه، في حين أن محاولات إجراء المناظرات في لبنان سواء بين مرشحين لرئاسة الجمهورية أو بين رؤساء تيارات أو وزراء أو نواب كلها كانت تبوء بالفشل، أولًا لأن هذا النمط من المواجهات الإعلامية لا يستسيغه البعض خوفا من ردات الفعل في شارع تسيطر عليه الحساسيات السياسية وتحركه الغرائز، وثانيًا بفعل فشل المناظرات في تغيير مزاج المحسوبين على هذا التيار السياسي أو ذاك، نظرا للانتماء السياسي الأعمى الذي لا يفرق بين خطأ وصواب، حيث إن مناصري القوات سيرون جعجع في كلّ الحالات على حق، وكذلك الأمر بالنسبة لمناصري التيار تجاه باسيل، أما من سيحكم على المناظرة في حال حصولها فهم من مناطق وطوائف وتيارات أخرى لا يؤثرون في المعادلة الانتخابية بين القوات والتيار والقائمة على قانون هو الأسوأ في تاريخ الجمهورية اللبنانية. 

رفض جعجع المناظرة مع باسيل سيجعل الحرب تستعر بين الطرفين خصوصًا عشية الاستعداد للانتخابات النيابية، وهذا الأمر سيعزز الانقسام داخل المجتمع المسيحيى الذي يدفع ثمن الصراعات بين القوات والتيار منذ عقود وهي مرشحة للاستمرار في ظل عدم التفتيش عن أية قواسم مشتركة تساهم في ربط نزاع أو في تغليب لغة العقل والسياسة على اللغة التحريضية الغرائزية التي قد تتفجر في أي لحظة مع تجاوز خطاب الطرفين كلّ الخطوط الحمر.

يمكن القول إن أخطر ما في المشهد الحالي بين القوات والتيار ليس الصراع السياسي بل تتامي الاتهامات واستسهال التنمر وتبسيط القضايا المصيرية وتحويل الشاشات إلى ساحات لتصفية الحسابات الشخصية، وإذا كانت القيادات السياسية غير قادرة على إدارة حوار علني حول ملفات كبرى، فكيف يمكن الوثوق بقدرتها على إدارة مرحلة وطنية شديدة الحساسية؟

 دعوة المناظرة من أي طرف ومهما كانت دوافعها، تبقى اختبارًا للنضج السياسي، القبول بها لا يعني هزيمة، ورفضها لا يعني انتصارا، لكن الهروب منها يطرح علامات استفهام مشروعة، وفي النهاية، الخيار ليس بين باسيل وجعجع فقط، بل بين ثقافة سياسية قديمة تتهرّب من المحاسبة، وفرصة ولو متأخرة للارتقاء إلى مستوى المسؤولية التي يستحقها المجتمع المسيحيى خصوصًا ولبنان بشكل عام.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد