صحيفة الاستقلال
يشهد النظام الدولي في السنوات الأخيرة تحوّلا بنيويا عميقا، يتمثل في الانتقال من نظام أحادي القطب، كانت تهيمن عليه الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة، إلى نظام دولي متعدد المراكز يتسم بتصاعد المنافسة بين القوى الكبرى.
في هذا السياق، تجد الولايات المتحدة نفسها أمام واقع جديد تُدرك فيه تراجع قدرتها على فرض إرادتها منفردة، سواء سياسيًّا أو عسكريا، رغم استمرار امتلاكها أدوات ضغط واسعة.
ويُعد التوّتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران أحد أبرز تجليات هذا التحول البنيوي في النظام الدولي.
تحول النهج
ونشر مركز "أنكاسام" التركي مقالا للكاتب مصطفى أوزالب، سلط فيه الضوء على خلفيات التوّتر بين الولايات المتحدة وإيران في صراع الطاقة، والعامل الصيني، وانعكاساته على تركيا والمنطقة.
ولفت الكاتب التركي النظر إلى السياسات الأميركية الأخيرة تجاه إيران، من تهديدات عسكرية وتشديد للعقوبات الاقتصادية وخطاب سياسي متصلب، لا يمكن فهمها على أنها موجهة ضدّ إيران وحدها.
واستطرد: “بل إن هذه السياسات تندرج ضمن إستراتيجية جيوسياسية أشمل تهدف بالدرجة الأولى إلى تطويق الصين وروسيا واحتواء صعودهما، مع استهداف غير مباشر لتركيا بوصفها فاعلًا إقليميا مرشحا للعب أدوار مستقلة في محيطه الجغرافي”.
في هذا الإطار، وفي ظل استمرار هشاشة الأوضاع في كلّ من سورية والعراق، تمثل إيران نقطة ارتكاز إستراتيجية؛ إذ إن تفككها أو إخضاعها سيؤدي إلى إعادة رسم توازنات القوى في الشرق الأوسط، بما يفتح الباب أمام ضغوط أكبر على دول الجوار، وعلى رأسها تركيا.
وتابع أوزالب: “لقد أدركت الولايات المتحدة، بعد تجارب طويلة ومكلّفة في أفغانستان والعراق، أن الخيار العسكري المباشر ضدّ إيران ليس خيارا واقعيا أو مضمون النتائج”.
وأوضح أن "إيران ليست دولة حديثة أو مصطنعة نشأت بقرارات استعمارية عشوائية، بل هي دولة ذات تاريخ طويل ومؤسسات راسخة، وتتمتع بمساحة جغرافية كبيرة وعدد سكان يقارب 90 مليون نسمة.
كما تمتلك شبكة تحالفات إقليمية وقدرات عسكرية متنوعة، وهو ما يجعل أي مواجهة شاملة معها مكلفة جدًّا وصعبة التحكم في نتائجها.
لذلك، انتقلت واشنطن إلى تفعيل الأدوات الاقتصادية، وهو ما تجلّى في إعلانها فرض رسوم جمركية إضافية بنسبة 25 بالمئة على الدول التي تستمر في التجارة مع إيران.
وأضاف الكاتب التركي أن "الأهمية الإستراتيجية لإيران، من وجهة النظر الأميركية، تكمن في موقعها المحوري ضمن معادلة الطاقة العالمية، وفي شراكتها المتنامية مع الصين".
فقد أسفر الاتفاق الصيني-الإيراني الموقّع عام 2021، والذي يمتدّ لـ25 سنة، عن التزام صيني بضخ استثمارات تُقدَّر بنحو 400 مليار دولار في قطاعات الطاقة والبنية التحتية الإيرانية، وذلك مقابل حصول الصين على إمدادات نفطية طويلة الأمد وبأسعار تفضيلية.
واليوم، تتّجه النسبة الأكبر من صادرات النفط الإيراني إلى الصين التي أصبحت الشريك التجاري الأول لطهران.
لهذا فإن أحد الأهداف الأساسية للضغط الأميركي يتمثل في محاولة قطع هذا الرابط الطاقوي بين طهران وبكين، وذلك لما يشكله من ركيزة لأمن الطاقة الصيني ومن تحدٍّ مباشر للهيمنة الأميركية على الأسواق العالمية.
أزمة جديدة
وقال الكاتب التركي: "تندرج إيران إلى جانب فنزويلا في صلب التنافس الجيوسياسي على الطاقة. فطهران تحتلّ موقعا متقدما عالميا من حيث احتياطيات النفط والغاز الطبيعي، ما يجعلها لاعبا لا يمكن تجاوزه في معادلات الطاقة الدولية".
وتسعى الولايات المتحدة، من خلال سياساتها تجاه فنزويلا وإيران، إلى إعادة بسط نفوذها على منابع الطاقة العالمية، في محاولة للحفاظ على موقع الدولار كعملة احتياط رئيسة في تجارة الطاقة.
ورغم أن تحقيق الرئيس الأميركي دونالد ترامب لنتائج سريعة في إيران لا يبدو ممكنا على المدى القصير، إلا أنه من غير المتوقع أيضًا أن تنعكس عائدات النفط الفنزويلي على الاقتصاد الأميركي قبل نهاية عام 2026.
ويعود ذلك إلى أن النفط الفنزويلي ثقيل للغاية وصعب التكرير، وأن المشتري الأساسي له عالميا هو الصين؛ حيث يُستخدم في الغالب وقودا في الصناعات الثقيلة.
وبعبارة أخرى، ما لم تشترِ الصين النفط الفنزويلي عبر الشركات الأميركية وبأسعار مناسبة، فإن هذا النفط يُعد استثمارا شبه ميت بالنسبة للولايات المتحدة، يؤكد الكاتب أوزالب.
ورغم أن تحركات ترامب تجاه فنزويلا وإيران تتماشى مع السياسة الخارجية الأميركية، إلا أنه أيضًا يستخدم هذه الخطوات لأغراض داخلية، وذلك في إطار سعيه إلى حشد الدعم الشعبي قبيل انتخابات الكونغرس المقررة نهاية عام 2026.
ومع تفاقم الأزمات الاقتصادية داخل الولايات المتحدة، وقضايا مرفوعة ضدّ ترامب وغيرها من المشكلات، فإن الولايات المتحدة التي لم تعد تمتلك قوتها السابقة على الصعيد العالمي قد تنكفئ على نفسها وتفقد مزيدا من النفوذ.
وأردف الكاتب: "على الصعيد العسكري تواجه الولايات المتحدة قيودا بنيوية واضحة في أي سيناريو تصعيدي ضدّ إيران؛ حيث إن شن عملية برية يُعد شبه مستحيل، بينما تظل الخيارات محصورة في ضربات جوية أو عمليات استخباراتية محدودة، غالبا عبر إسرائيل".
إلا أن التجارب الأخيرة أظهرت محدودية هذه الخيارات، وعدم قدرتها على فرض استسلام شامل على إيران، بالإضافة إلى ذلك فإنّ أي تصعيد واسع قد يؤدي إلى إغلاق مضيق هرمز، الذي يُعد شريانا حيويا لتجارة الطاقة العالمية.
إن إغلاق المضيق سيؤدي إلى اضطراب حاد في إمدادات النفط والغاز، وستتحمل الصين ودول آسيا والمحيط الهادئ العبء الأكبر من التداعيات الاقتصادية، وهو ما يفسر استعداد بكين لتقديم دعم غير محدود لإيران دفاعًا عن مصالحها الإستراتيجية.
مخاطر التفكك
وقال الكاتب: "على المستوى الداخلي الإيراني، تُظهر الاحتجاجات الاقتصادية التي اندلعت منذ أواخر عام 2025 حالة من التململ الشعبي المتزايد، لكنّها لا ترقى على المدى القصير إلى مستوى ثورة قادرة على إسقاط النظام؛ إذ تفتقر هذه الاحتجاجات إلى قيادة موحدة وانقسام حاسم داخل النخب الحاكمة".
ولفت إلى أن “العديد من المحللين أجمعوا على أن التحول الحقيقي في إيران قد يرتبط بمرحلة ما بعد المرشد الأعلى علي خامنئي؛ حيث قد يؤدي أي فراغ في السلطة إلى صراعات بين النخب وتفعيل التصدعات العرقية، بما في ذلك الأتراك والأكراد والبلوش”.
وأضاف الكاتب: “يحمل سيناريو تفكك إيران مخاطر جسيمة لا تقتصر على الداخل الإيراني فحسب، بل تمتد إلى مجمل الإقليم”.
واستطرد: “بالنسبة لتركيا قد يؤدي هذا السيناريو إلى تهديدات أمنية مباشرة، واضطرابات اقتصادية، وتغيرات عميقة في موازين القوى الإقليمية”.
كما أنّ حالة الفوضى الناتجة عن تفكك إيران قد تفضي إلى نتائج غير قابلة للسيطرة، حتّى بالنسبة للولايات المتحدة و"إسرائيل"، وهو ما يدركه صناع القرار في تلك العواصم، يؤكد أوزالب.
وتابع: "تُظهر المعطيات أن الولايات المتحدة وصلت إلى قناعة، مفادها أنها لا تستطيع إخضاع إيران عبر القوّة العسكرية أو عبر تأجيج الفوضى الداخلية، لذلك فقد أعادت تفعيل إستراتيجية العقوبات الاقتصادية".
غير أن إيران التي راكمت خبرة طويلة في التكيف مع العقوبات منذ عام 1979، نجحت في تطوير آليات للالتفاف عليها، خصوصًا عبر شراكتها مع الصين.
بناء عليه، فإن الصراع الأميركي-الإيراني لا يتّجه نحو حسم سريع أو تغيير مفاجئ للنظام، بل نحو مسار هشّ طويل الأمد ومتعدد الأطراف، تتداخل فيه اعتبارات الطاقة وصراع القوى الكبرى واستقرار الإقليم، مع بقاء تداعياته المحتملة شديدة الحساسية بالنسبة لتركيا والشرق الأوسط بأكمله.