اوراق مختارة

ثروة طبيعية من عكار الى حاصبيا في خطر

post-img

ربى أبو فاضل (صحيفة الديار)

من عكار شمالا إلى حاصبيا جنوبا، تمتد واحدة من أغنى الثروات البيئية في لبنان تتمثل في شبكة من الشلالات الطبيعية التي تعكس صحة الأنظمة النهرية وغنى التنوع الحيوي، فهذه الشلالات ليست مجرد مشاهد سياحية خلابة بل منظومات بيئية متكاملة تؤدي دوراً أساسياً في استدامة الموارد المائية والبيئية. غير أن هذه الثروة تواجه اليوم تهديدا متصاعدا بفعل السدود الصغيرة والأشغال العشوائية وتجاوز القوانين البيئية ما يحول الشلالات من مورد للحياة إلى ضحية مشاريع تسوق، تحت عنوان التنمية فيما تفتقر في الواقع إلى أدنى معايير التخطيط السليم والاستدامة، ما يطرح أسئلة ملحة حول المسؤوليات والأثر البيئي ومستقبل هذه المنظومات في بلد يرزح أصلا تحت أزمات بيئية متراكمة.

ويقدر عدد الشلالات الدائمة والموسمية في لبنان بحسب العديد من الدراسات البيئية والجغرافية وتقارير البلديات، بأكثر من 40 إلى 50 شلالا تتوزع بين:

ـ عكار والضنية (رشعين، العيون، قاديشا العليا)

ـ كسروان وجبيل (بلوع بلعا وشلالات نهر إبراهيم)

ـ البقاع الغربي (جزين وشلالات مشغرة)

ـ والجنوب وحاصبيا (الحاصباني والوزاني).

رئيس "جمعية الأرض – لبنان" والناشط البيئي بول أبي راشد أكد لـ"الديار"، أن "الشلالات لا يمكن اختزالها ببعدها الجمالي إذ تشكل عنصرا أساسيا في منظومة بيئية متكاملة، فهي تؤمن موائل لكائنات حية متعددة وتساهم في تغذية المياه الجوفية ودعم الثروة السمكية، من خلال تهوية المياه ورفع مستويات الأوكسجين الضرورية للأسماك والكائنات الدقيقة، ما يحد من ركود المياه ويخفف من التلوث البيولوجي. كما تلعب دورا محوريا في تغذية التنوع الحيوي النهري من أسماك وبرمائيات ونباتات مائية وفي تثبيت التوازن الرسوبي ومنع تآكل ضفاف الأنهار فضلا عن تنظيم الجريان الطبيعي للنهر".

ويضيف أبي راشد أن "أهمية الشلالات لا تقتصر على دورها البيئي بل تمتد إلى بعدها الاقتصادي والسياحي، إذ تشكل مورد جذب للسياحة البيئية ومصدر دخل للمطاعم والأنشطة الريفية والمجتمعات المحلية المحيطة بها. كما تعد عنصرا من عناصر الهوية المحلية لبعض المناطق كما في حاصبيا وجزين، ما يجعل أي تدمير لها بمثابة ضربة مباشرة للسياحة البيئية، ويفقد القرى أحد أبرز مقوماتها الاقتصادية غير الملوِثة إلى جانب خسارة جزء من هويتها الطبيعية والثقافية".

وأشار أبي راشد إلى أن "هذه الشلالات للأسف تشهد تدهورا متسارعا، نتيجة تراكم الاعتداءات من تحويل مجاري المياه وإنشاء سدود عشوائية إلى التلوث الناتج عن الصرف الصحي والصناعي، فضلا عن الكسارات والمرامل إلى جانب تداعيات تغير المناخ وتراجع معدلات الهطول".

أضاف "وما جرى على نهر الحاصباني يعد نموذجا للاعتداء على الشلالات والأنظمة النهرية في لبنان، فقد تم إنشاء سد إسمنتي بارتفاع يقارب 1.5 متر على بعد عشرات الأمتار من رأس النبع في موقع كان يضم شلالا طبيعيا بارزا، يشكل أحد معالم المنطقة".

وبحسب الفريق القانوني والبيئي في جمعية الأرض – لبنان، فإن هذه الأعمال نفذت في منطقة مصنفة حساسة بيئيا، من دون أي دراسة لتقييم الأثر البيئي أو موافقة قانونية مسبقة في مخالفة صريحة ،لأحكام المرسوم رقم 8633/2012 الذي يفرض إجراء دراسة تقييم الأثر البيئي قبل الشروع في مثل هذه المشاريع. وكانت الجمعية قد تلقت شكوى حول هذه الأعمال، وبعد دراستها خلصت إلى أنّ ما يجري يُعدّ اعتداءً غير قانوني على النظام النهري، وعلى أحد أبرز معالمه الطبيعية.

وفي هذا الإطار، أشار أبي راشد إلى أن "السدود الإسمنتية حتى الصغيرة منها قد تحدث أضرارا بيئية كبيرة، إذ تقطع الجريان الطبيعي للأنهار وتغير توزيع المياه على امتداد المجرى وتحجز الرواسب، ما يؤدي إلى تشويه شكل النهر وزيادة تآكل ضفافه في مناطق أخرى. كما ترفع هذه السدود حرارة المياه وتغير مستويات الأكسجة، ما ينعكس سلبا على الكائنات الحساسة، وتؤدي إلى ركود المياه وتراكم الملوثات قبل السد، فضلا عن طمس الشلالات أو إضعاف تدفقها عبر خفض كميات المياه التي تغذيها".

وفي ما يخص إنشاء سدود قرب رؤوس الينابيع، يحذر أبي راشد من أن "المخاطر تتضاعف في هذه الحالات نظرا للحساسية الهيدرولوجية والبيئية العالية لهذه المناطق، فأي تغيير في الجريان أو في البنية الصخرية والرواسب قد يؤثر مباشرة على نوعية المياه وكميتها، وعلى استمرارية الجريان في المجرى الأسفل، كما قد يخل بالتوازن الدقيق الذي تحتاجه الأنظمة البيئية المحلية للاستمرار".

ويضيف "هذا النوع من المشاريع يترك أثرا مباشرا على الثروة السمكية والتنوع الحيوي النهري، إذ يعيق حركة الأسماك والكائنات المائية ولا سيما خلال مواسم التكاثر ويدمر أماكن التفريخ والاختباء والغذاء، نتيجة تغير سرعة الجريان وتوزع الرواسب. كما يؤدي ركود المياه إلى انخفاض مستويات الأكسجين وارتفاع العكارة والتلوث، ويجزئ الموائل الطبيعية إلى مساحات معزولة ما يقلل من التنوع الحيوي، ويجعل الأنواع أكثر هشاشة أمام الجفاف أو أي تلوث طارئ".

ويشدد أبي راشد على أن "دراسة تقييم الأثر البيئي ليست إجراء شكليا، بل أداة وقائية أساسية لتحديد الأضرار المحتملة قبل وقوعها واقتراح بدائل وتدابير تخفيف وتقييم الكلفة البيئية والاجتماعية للمشاريع، مع إشراك الجهات المعنية. ويؤكد أن تجاوز هذه الدراسة يعد مخالفة جسيمة، كونه يفتح الباب أمام تنفيذ مشاريع قد تحدث أضرارا دائمة، من دون أي تقييم علمي أو شفافية في مخالفة واضحة للقوانين المرعية، ولا سيما المرسوم 8633/2012 الهادف إلى حماية الموارد الطبيعية والمصلحة العامة".

يشار إلى أن وزارة الطاقة والمياه وجهت كتابا إلى محافظ النبطية بتاريخ 30\12\2025 ، طالبت فيه بإبلاغ بلدية حاصبيا وقف الأشغال فورا على مجرى نهر الحاصباني، وأكدت "أن أي أعمال ضمن مجرى النهر تستوجب دراسة فنية وموافقة خطية مسبقة من وزارة الطاقة"، داعية "البلدية إلى التقدم بطلب أصولي مرفق بالدراسة اللازمة، قبل استئناف أي أشغال".

ولفت أبي راشد إلى أن "تدمير الشلالات لا يقتصر أثره على البيئة فحسب بل ينعكس مباشرة على المجتمعات المحلية، إذ تشكل هذه المعالم جزءا من الذاكرة الجماعية والهوية الطبيعية للمناطق وتدميرها، يعني خسارة مورد للسياحة البيئية والاقتصاد المحلي وتراجع جودة الحياة والمساحات الطبيعية العامة، وتآكل شعور الانتماء والفخر بالمكان، خصوصا عندما تكون الشلالات رموزا محلية أو عناصر أساسية في هوية البلدات".

وتقدمت جمعية الارض _لبنان إلى وزارة الطاقة والمياه بشكوى (كتاب رقم 2357\و) بتاريخ 28\1\2926 بشأن الأعمال المنفذة على رأس نبع الحاصباني ومجرى نهره، والتي نفذت من دون ترخيص ومن دون دراسة تقييم أثر بيئي في مخالفة لقانون المياه 192/2020 وقانون حماية البيئة 444/2002 ومرسوم 8633/2012 . وأظهرت المعاينات أن إنشاء سد عند واجهة الشلال، أدى إلى تراكم الترسبات وتدهور نوعية المياه وقطع حركة الأسماك والإخلال بالتدفق البيئي، فضلا عن تشويه المشهد الطبيعي لشلال تاريخي يشكل جزءا من هوية المنطقة. وطالبت الجمعية بفتح تحقيق وإزالة السد لحماية النظام البيئي والثروة السمكية في نهر الحاصباني.

وأشار مصدر في وزارة الطاقة والمياه إلى أن "الوزارة تلقت كتاب الشكوى المقدم من جمعية "الأرض – لبنان"، وقد أُحيل إلى الإدارة المختصة لدراسته، على أن تتخذ الإجراءات المناسبة في ضوء نتائجه".

ويؤكد أبي راشد أن حماية الشلالات ليست ترفا بيئيا، وتتطلب خطوات عاجلة وواضحة أهمها:

ـ الوقف الفوري لأي أعمال في المواقع الحساسة إلى حين استكمال التقييمات القانونية والبيئية.

ـ تطبيق صارم لإلزامية دراسات تقييم الأثر البيئي والرقابة الميدانية.

ـ تصنيف الشلالات والأنظمة النهرية الحساسة كمناطق حماية ذات حرم نهري واضح.

ـ معالجة مصادر التلوث من الصرف الصحي والصناعي التي تهدد أي جهود حماية.

ـ تفعيل المحاسبة ومنع التعديات مثل (الكسارات والردميات وتحويل مجاري المياه)، مع إشراك البلديات والمجتمع المحلي في خطط حماية وسياحة بيئية مستدامة، بدل مشاريع قصيرة الأمد تترك أضرارا طويلة الأمد.

في ظل هذه المخاطر والتهديدات المستمرة، يبقى السؤال المطروح على الحكومة والوزارة المعنية، هل ستتخذ خطوات فعلية لحماية هذه الثروة الطبيعية، قبل أن تضيع كما ضاعت غيرها من الثروات البيئية في لبنان؟

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد