جعفر سليم/ صحافي لبناني
منذ تأسيسها، في العام 1948، أصدرت الأمم المتحدة مئات القرارات في الجمعية العامة والمجالس التابعة لها تدين فيها الاعتداءات الصهيونية على الشعب الفلسطيني، لا سيما في مخيمات اللجوء داخل فلسطين المحتلة وخارجها. إذ إنّ هذا الكيان المؤقت هو الوحيد في العالم الذي أنشأ بقرار من الأمم المتحدة، أعلن في الرقم 181 الصادر في 29 تشرين الثاني 1947؛ وهو الأكثر إدانة في تاريخ المنظّمة.
قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالقضية الفلسطينية هي، لغاية الآن، لا وزن لها ولا قيمة فعلية، وتذهب مع بيانات الإعراب عن القلق. لم تُستخدم، ولو لمرة واحدة، في مجلس الأمن، حيث يمكن بموجب الفصل السابع من الميثاق، لا سيما المادة 41 منه، فرض قراراته بالقوة، وهذا ما حصل مع كثير من الدول في العالم، إلا مع الكيان الصهيوني.
إذ إن استخدام ما يسمى حق النقض (الفيتو) الأميركي يكون دائمًا على جهوزيته، فقد استخدم أكثر من 42 مرة لحماية الكيان الصهيوني من القرارات الدولية، وما يسمى مجالس حقوق الإنسان والقانون الدولي التابعة للأمم المتحدة.
بعد إعلان "نكبة العرب" في فلسطين، في شهر أيار من العام 1948، أعُلن قيام "دولة إسرائيل". في العام نفسه؛ أسست الأمم المتحدة بناء على القرار 194، في تشرين الثاني، "هيئة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين" لتقديم المعونة للاجئين الفلسطينيين وتنسيق الخدمات التي تقدم لهم من المنظمات غير الحكومية وبعض المنظمات الأممية الأخرى. في كانون الأول 1949؛ أسست وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى، بموجب قرار الجمعية العامة الرقم 302، وسميت اختصارًا (الأونروا) لتكون وكالة مخصصة مؤقتة، على أن تجدد ولايتها كل 3 سنوات.
بدأت الأونروا عملياتها، في الأول من شهر أيار 1950، وتولت مهام هيئة الإغاثة التي أسست من قبل، وتسلّمت سجلات اللاجئين الفلسطينيين من اللجنة الدولية للصليب الأحمر. تقدم هذه الوكالة خدماتها لنحو 5.9 ملايين شخص تقريبًا، ويعيش نحو ثلثي هذا العدد في 58 مخيمًا معترفًا به للاجئين، في الأردن ولبنان وسوريا والضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة.
تقول وكالة الأنروا في بيان تأسيسها:"إن مهامها تتمثل في تنفيذ برامج إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين مباشرة بالتعاون مع الحكومات المحلية، وكذلك التشاور مع الحكومات المعنية بخصوص تنفيذ مشاريع الإغاثة والتشغيل والتخطيط استعدادًا للوقت الذي يستغنى فيه عن هذه الخدمات".
حاليًا تواجه وكالة الأونروا أخطر أزمة وجودية في تاريخها، منذ العام 1949، وسط ضغوط أميركية - إسرائيلية متصاعدة، وهي ضمن سلسلة من محاولات تفكيكها واستهداف مباشر لمقراتها بالقصف بالصواريخ لأسباب لا تقنع أحدًا، أو هدمها بالجرافات إضافة الى وقف التمويل عنها وصولاً إلى اتهامها بممارسة "الإرهاب".
مع العلم أن الوكالة تؤكد دائمًا، في تقاريرها الدورية وبياناتها اليومية منذ تأسيسها، التزامها العمل الإنساني واستمرارها بتقديم التعليم والخدمات الصحية لأكثر من 5 ملايين لاجئ في المنطقة، في وقت يؤكد المفوض العام للأونروا فيليب لازاريني: "إنه لا حدود لتحدي الأمم المتحدة والقانون الدولي في الأرض الفلسطينية المحتلة". كما ينبه إلى أن: "السماح بهذا التدمير غير المسبوق يعد أحدث إعتداء على الأمم المتحدة، في إطار المحاولات المستمرة لتقويض وضع لاجئي فلسطين في الأرض الفلسطينية المحتلة ومحو تاريخهم".
لم تتوقف الضغوط النفسية على اللاجئين الفلسطينيين؛ كما لم تتوقف احتجاجاتهم، والتي تمحور عنوانها الرئيس "عجز الموازنة المالية ونقص التمويل". لذلك؛ الأونروا مضطرة لاتخاذ خطوات تقليصية كي تتمكّن من تقديم الخدمات والحفاظ على كرامة اللاجئين، ليكتمل المشهد اليوم بتقليص عدد أيام العمل في العيادات الصحية والمدارس، ولتقرر تاليًا تخفيض رواتب الموظفين تمهيدا لقرارات قيد المناقشة في دوائر القرار بطلب اسرائيلي لإنهاء عملها مدعومًا بضغط أميركي؛ أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب أكثر من مرة.
في الإجراءات الميدانية؛ أعلنت سلطات الاحتلال انها لن تمنح موظفي الوكالة الدوليين تأشيرات أو تصاريح لدخول الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك قطاع غزة. إذ منذ بداية العدوان، تواصل منع الأونروا من إدخال المساعدات الإنسانية إلى القطاع على الرغم من صدور قرار من المحكمة الدولية أنه: بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، يتعين على إسرائيل الامتناع عن عرقلة عمليات الأونروا".
إزاء هذا المواقف أطلقت الأنروا سلسلة من النداءات العاجلة للدول المانحة؛ كي تسارع لإنقاذها وسد العجز المالي لتتمكّن من الإستمرار بتقديم خدماتها واستكمال العام الدراسي واستمرار التغطية الصحية للمرضى من اللاجئين. كما قامت اللجان الشعبية في المخيمات الفلسطينية بسلسلة من الاعتصامات والاضرابات، وحمّلت المسؤولية لإدارة الأنروا عن فشلها في إدارة الموارد لخدمة الهدف الأساسي، وهو وقف خدماتها وإنهاء عملها.
إن وجود الأونروا يعني وجود لاجئين، ويعني وجود محتل، ووجود المحتل يوجب فعل مقاوم ضده. لذلك؛ يجب نزع هذه الصفة لكي يصبح اللاجئ الفلسطيني بلا هوية شرعية دولية معترف بها، بحسب قوانينهم الموضوعة لخدمة أهداف سياسية للفريق الذي يهيمن على القرار الدولي، تحت شعار "خدمة حق القوة لا لخدمة قوة الحق".
هذا ما صرح به المفوض العام لازاريني بقوله: "إن الهجوم على الوكالة دافعه سياسي للتخلص من اللاجئين الفلسطينيين، خاصة بعد تحقيقات الأمم المتحدة التي أظهرت زيف الادعاءات الإسرائيلية بأن موظفيها يعملون لصالح حركة حماس".
أما الدول العربية المانحة؛ فهي تعمل بحسب الإيعاز الأميركي، وتقوم بتمويل مليشيات ليتقاتلوا في ما بينهم، أو تعمل على تثبيت حاكمًا هنا على مقعده الرئاسي أو تستقبل مخلوعًا هناك عن الرئاسة، كما حصل في تونس واليمن والسودان.