غسان ريفي (سفير الشمال)
بين مفاوضاتٍ تتعثر، وتهديداتٍ تتصاعد، وتلويحٍ يومي بشبح الحرب، تعود الولايات المتحدة وإيران إلى طاولة الحوار من بوابة سلطنة عُمان، في محاولة جديدة لاحتواء أحد أخطر الملفات التي تهدّد استقرار المنطقة بأسرها.
اللقاءٌ يأتي في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، حيث تتشابك الحسابات الأميركية مع الهواجس "الإسرائيلية" والضغوط العربية، في ما تقف المنطقة على مفترق طرق بين الانفراج أو الانفجار.
"إسرائيل"، التي تنظر بقلق بالغ إلى أي تقارب أميركي - إيراني، تعمل بكلّ ما أوتيت من أدوات سياسية وأمنية لإفشال هذه المفاوضات أو توسيع إطارها. وفي هذا السياق، عقد "الكابينت" "الإسرائيلي" اجتماعًا خاصًا عشية لقاء عُمان، في خطوة تهدف إلى البقاء على تماس مباشر مع مسار المفاوضات، والضغط على واشنطن لعدم حصرها بالملف النووي فقط، حيث تصرّ تل أبيب على إدراج برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، إضافة إلى دور إيران الإقليمي ودعمها لحركات المقاومة، ولا سيما بعد التجربة القاسية التي عاشتها المدن "الإسرائيلية" خلال حرب الأيام الاثني عشر من الصواريخ الإيرانية التي أعجزت الدفاعات الجوية الصهيونية..
في المقابل، تتمسك طهران بموقف واضح: لا مفاوضات خارج إطار الملف النووي، وملف رفع العقوبات المفروضة عليها، حيث ترى القيادة الإيرانية أن أي توسيع لأجندة التفاوض تُعد محاولة لانتزاع تنازلات إستراتيجية تحت الضغط، وهو ما ترفضه بشكل قاطع.
أما الدول العربية، وخصوصًا دول الخليج، فتدفع باتّجاه خيار مختلف، لجهة إنجاح المفاوضات وتحويلها إلى مسار حوار طويل الأمد، تجنبًا لحرب شاملة قد تضع المنطقة بأكملها في مهب الريح، وتهدّد أمن الطاقة والممرات البحرية والاستقرار الاقتصادي الهش أصلًا.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب يبدو اليوم أكثر حذرًا في تعاطيه مع خيار الحرب، فرغم خطابه المتقلب بين التصعيد والتهدئة، وبين مهادنة إيران وتهديدها، إلا أن حسابات الواقع تفرض نفسها.
يدرك ترامب أن أي مواجهة عسكرية مع إيران لن تكون نزهة، وأن التجربة السابقة في حرب الـ12 يوما، إلى جانب تصاعد القدرات الإيرانية، وعدم حصوله على ضمانات عسكرية بحسم سريع كما حصل في فنزويلا، فضلًا عن حجم الأضرار المحتملة التي قد تتعرض لها "إسرائيل"، كلها عوامل تدفعه إلى حالة من التردّد والتخبط السياسي والتصريحات المتناقضة.
من هنا، تشكّل مفاوضات عُمان مخرجًا مؤقتًا لجميع الأطراف، فهي تمنح واشنطن فرصة لالتقاط الأنفاس، وتوفّر لطهران نافذة لتخفيف الضغوط، وتمنح المنطقة أملًا، ولو هشًّا، بتجنب الانزلاق نحو مواجهة شاملة، حيث إن اختراقا إيجابيا في هذه الجولة قد ينعكس استقرارًا نسبيًا على الإقليم، في ما الفشل أو التصعيد سيحمل تداعيات كارثية لن تستثني أحدًا، بما في ذلك الولايات المتحدة نفسها.
اليوم، تتّجه الأنظار إلى سلطنة عُمان، حيث لا تُختبر فقط نوايا واشنطن وطهران، بل يُرسم أيضًا جزء من مستقبل المنطقة، بين خيار الحوار… وخيار النار!