اوراق خاصة

العراق ومعركة المعنى.. الدولة التي لمّا تُحسم بعد

post-img

معتز منصور / باحث سياسي

ما يعيشه العراق اليوم ليس مجرد ارتباك سياسي عابر، ولا أزمة حكومة قابلة للحل بتسوية جديدة، هو استمرار مباشر لمعركة سيادة لم تُحسم منذ لحظة الاحتلال الأمريكي في العام 2003. الصراع الحقيقي لا يدور حول الأشخاص ولا التحالفات الظرفية، إنّما عن معنى الدولة نفسها: هل هي كيان سيادي مستقل يمتلك قراره وحدوده، أم إدارة محلية تعمل داخل منظومة نفوذ خارجي تتحكم بسقفها السياسي والأمني والاقتصادي؟

النظام الذي فُرض بعد الاحتلال لم يُبنِ دولة بقدر ما أعاد هندسة كيان وظيفي عاجز عن إنتاج السلطة. لم يكن الهدف منع الاستبداد كما رُوّج في الخطاب الليبرالي، بل منع تشكّل أي مركز قرار مستقل يمكنه تنظيم القوة وتوحيد الإرادة الوطنية. ما جرى لم يكن انتقالًا ديمقراطيًا بالمعنى الحقيقي، بل إعادة تصميم لدولة موزعة القوة، مفككة الإرادة، محكومة بمنطق التوازن الدائم بدل الحسم. المحاصصة لم تكن انحرافًا عن المشروع، بل جوهره الفعلي وأداته الأساسية لضمان بقاء القرار مؤجلًا إلى ما لا نهاية.

الولايات المتحدة لم ترعِ هذا النموذج من موقع المراقب أو الوسيط، بل فرضته بوصفه امتدادًا عضويًا للاحتلال. انسحابها العسكري لم يكن نهاية الهيمنة، بل انتقالها إلى شكل أكثر خطورة وتعقيدًا: احتلال سياسي وأمني واقتصادي، يقوم على إبقاء الدولة قائمة شكلًا، مع تفريغها من قدرتها على احتكار القرار وتنظيم القوة. دولة بمؤسسات وانتخابات وبرلمان، لكنها بلا سيادة فعلية ولا قدرة على قول "لا" حين يتطلب الأمر. هذا ليس خللًا عرضيًا في التجربة، بل وظيفة مصممة بدقة: منع قيام دولة عراقية قادرة على الخروج من المدار الإمبراطوري وتشكيل سياسة مستقلة.

في هذا السياق، تصبح السيادة مفهومًا عمليًا لا خطابيًا. السيادة لا تعني رفع الشعارات أو تبني مواقف إعلامية حادة، بل تعني القدرة على اتخاذ قرار مكلف وتحمل تبعاته، حتى لو اصطدم بالإرادة الأمريكية. والعراق، ضمن بنيته الحالية، عاجز عن ذلك، لأن نظامه السياسي صُمم لمنع تراكم السلطة لا لإنتاجها. كل قوة تُخلق تُكبح، وكل مشروع مركزي يُواجه بشبكة تعطيل داخلية مرتبطة عضويًا بالسقف الخارجي. الدولة لا تُسمح لها بأن تتحول إلى مركز قرار، بل تبقى إطارًا لإدارة التناقضات وتدوير الأزمات.

المقاومة في العراق لم تكن خيارًا أيديولوجيًا أو ترفًا سياسيًا، بل التعبير الطبيعي عن استمرار معركة التحرر الوطني بعد تحوّل الاحتلال من عسكري مباشر إلى احتلال بنيوي طويل الأمد. هي لم تظهر فقط لأن الدولة ضعيفة، بل لأن الدولة صُممت أصلًا لكي لا تكون دولة سيادية. وجود المقاومة ليس استثناءً عن القاعدة، بل نتيجة حتمية لنظام يمنع الشعب من امتلاك قراره عبر مؤسساته الرسمية. لذلك؛ فإنّ المشكلة ليست في وجود قوة خارج الدولة، بل في غياب دولة قادرة على احتواء كل القوى ضمن إطار سيادي مستقل.

المثال الأوضح على حدود هذا النموذج هو ما كُشف مؤخرًا من موقف واشنطن الصريح من نوري المالكي، ورفضها القاطع لعودته إلى رئاسة الحكومة، مع تهديدات ضمنية بتقييد دوره السياسي. هذا الموقف لا يُقرأ كشخصنة أو خلاف تقني، بل كقاعدة استراتيجية ثابتة: أي شخصية تحاول بناء سلطة مركزية حقيقية وتقليص النفوذ الأمريكي ستُستهدف سياسيًا مهما كان موقعها أو تاريخها. المالكي، بكل ما له وما عليه، تحوّل إلى حالة اختبار كشفت أن المشكلة ليست في الأسماء، بل في أي مشروع دولة يحاول كسر السقف المرسوم خارجيًا وإعادة تعريف العلاقة مع واشنطن من موقع الندية لا التبعية.

الخلل البنيوي في العراق هو أن الدولة لم تُعرّف بوصفها ضرورة وجودية للمجتمع، بل كخطر محتمل يجب تحجيمه باستمرار. الخوف من المركز تحوّل إلى عقيدة سياسية، والخوف من الاستبداد استُخدم ذريعة لتفكيك السلطة لا لضبطها. النتيجة ليست دولة حقيقية، بل توازن هش بين قوى متنافرة، واستقرار مؤقت قائم على التسويات لا على القانون، ونظام قابل للانفجار في أي لحظة عند أول صدام كبير في المصالح.

الصراع الحقيقي في العراق اليوم ليس بين محاور إقليمية فقط، بل بين مشروعين للدولة. مشروع أمريكي يرى أن الاستقرار يتحقق عبر توزيع دائم للقوة يمنع تشكّل أي مركز سيادي، حتى لو أدى ذلك إلى شلل مزمن وانسداد سياسي طويل الأمد. ومشروع سيادي لم يكتمل بعد، يرى أن الدولة لا تُبنى دون سلطة مركزية قادرة على فرض القانون، تنظيم الاقتصاد، وإدارة العلاقات الخارجية من موقع الاستقلال لا الوصاية.

العراق لا يعاني نقصًا في الموارد ولا في الطاقات البشرية ولا في الإمكانات الاقتصادية، بل يعاني نقصًا في الحسم. الدولة التي لا تحسم معناها تتحول إلى ساحة صراع دائم، والمجتمع الذي لا يمتلك دولة سيادية يبقى معلقًا بين الشرعية والضرورة، بين مؤسسات شكلية وقوى واقعية. ما لم يُعاد تعريف الدولة بوصفها أداة تحرر لا إدارة توازن، وبوصفها إطارًا نهائيًا للسيادة لا مجرد مساحة تفاوض، سيبقى العراق بلدًا قائمًا في الجغرافيا، لكنه غائب عن القرار.

هذه ليست أزمة لحظة ولا مشكلة حكومة، بل معركة معنى ممتدة منذ أكثر من عقدين؛ ومن يحسم معنى الدولة – سيادة أم إدارة – هو وحده من يحسم مستقبل العراق.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد