اوراق مختارة

لبنان يواظب على استيراد «إصلاحات» غير مناسبة: تفريخ الهيئات الناظمة

post-img

ماهر سلامة (صحيفة الأخبار)

منذ سنوات، يُعاد طرح مسألة «الهيئات الناظمة» في لبنان بوصفها أحد مفاتيح الإصلاح المفقودة. في كلّ خطة إنقاذ، وكلّ تفاوض مع الجهات الدولية، وكلّ نقاش حول الكهرباء أو الاتصالات أو المياه، تعود هذه الهيئات إلى الواجهة باعتبارها شرطاً «تقنياً» لإعادة الانتظام إلى القطاعات العامة. يُقدَّم غيابها دائماً كدليل على فشل الدولة، ويُفترض أن إنشاءها يشكّل خطوة أولى نحو الشفافية والكفاءة والاستقلال عن التدخل السياسي.

غير أنّ هذا الخطاب يتجاهل واقعاً أساسياً، وهو أن لبنان لا يعاني من نقص في القوانين أو الهياكل، بل من انهيار منظومة الحكم نفسها. ففي بلد تُدار فيه الإدارات بمنطق الزبائنية، وتُوزَّع فيه المواقع العامة وفق توازنات طائفية وسياسية، وتُعطَّل فيه المؤسسات كلّما تعارضت مع مصالح القوى النافذة، يصعب اعتبار إنشاء هيئة ناظمة خطوة إصلاحية بحدّ ذاتها. بل يصبح السؤال أكثر جوهرية: هل المشكلة فعلاً في غياب الهيئات، أم في غياب الدولة القادرة على جعل أي هيئة فاعلة؟

يدور النقاش حول الهيئات الناظمة عادةً عن مسألة استقلاليتها، أي مدى تحرّرها من التدخّل السياسي وقدرتها على اتخاذ قرارات تقنية محايدة. إلا أن هذا النقاش يفترض مُسبقاً أن وجود هذه الهيئات هو أمر بديهي وضروري في كل الحالات. في الحالة اللبنانية، يبدو هذا الافتراض مُضلّلاً. فالسؤال الأساسي لا ينبغي أن يكون «هل الهيئات الناظمة مستقلّة؟»، بل: «لماذا نحتاج أصلاً إلى هيئات ناظمة في بلد مثل لبنان؟».

نشأت فكرة الهيئات الناظمة في التبرير القانوني للتنظيم العامّ في حكم للمحكمة العليا الأميركية في قضية «مان» ضد ولاية إلينوي سنة 1877. أقرّ هذا الحُكم مبدأً أساسياً مفاده أن الملكية الخاصة، عندما تُستخدم في نشاط ذي منفعة عامة، تصبح خاضعة لتنظيم الدولة تحقيقاً للصالح العام. وقد شكّل هذا القرار، الأساس القانوني لتدخّل الدولة في تنظيم الأسعار والأنشطة الاقتصادية، ولا سيما في القطاعات الاحتكارية. بهذا المعنى، فإن وجود الهيئات الناظمة نابع من كونها قائمة على تعامل الدولة في قطاع يعمل فيه القطاع الخاص، بمعنى آخر: الخصخصة.

بحسب الباحث نافروز دوباش في ورقته «الهيئات التنظيمية المستقلة: مراجعة نظرية مع الإشارة إلى الكهرباء والمياه»، فإنه وفق نظرية «المصلحة العامة»، يُنظر إلى هذه الهيئات باعتبارها حلّاً تقنياً لمشكلة اقتصادية مُحدّدة: فشل السوق في القيام بدوره في تأمين المنافسة. ففي قطاعات مثل الكهرباء والمياه والاتصالات، حيث يسود «الاحتكار الطبيعي» بسبب كلفة البنى التحتية المرتفعة، تصبح المنافسة غير ممكنة عملياً.

وفي هذه الحالات، يُفترض أن تتدخّل هيئة ناظمة مستقلّة لضبط الأسعار، وضمان جودة الخدمة، ومنع استغلال المستهلك، أي أن تقوم بدور «المنافس الافتراضي» الذي يعوّض غياب السوق. كذلك، تتدخّل الهيئات عندما يتقاعس القطاع الخاص عن توفير السلع العامة، أو لمعالجة الآثار الخارجية السلبية كالتلوّث، أو لتعزيز منافع اجتماعية لا يلتقطها منطق الربح.

عملياً، تأتي الهيئات الناظمة في إطار تدخّل «المصلحة العامة» في القطاعات التي يعمل فيها القطاع الخاص. عادةّ هذه القطاعات تكون قطاعات الشبكات، مثل الكهرباء والماء والاتصالات. لكن في لبنان، لا وجود للقطاع الخاص في أي واحد من هذه القطاعات، علماً أن هناك جهوداً لتكريس الخصخصة عبر الشراكة بين القطاعين العام والخاص في الكهرباء، إلا أن هذا الأمر لا يزال في مرحلة التخطيط، فيما القطاعات الأخرى لا وجود فيها بعد للقطاع الخاص. لذا يمكن القول إن إنشاء الهيئات الناظمة عملياً، يعني التحضير لدخول القطاع الخاص إلى هذه القطاعات.

عملياً هذا الأمر يفترض وجود دولة قادرة على التنظيم أصلاً، وقادرة على الفصل بين القرار السياسي والتنظيم التقني. وهو افتراض لا ينطبق على الحالة اللبنانية. فلبنان لا يعاني من «فشل سوق» فحسب، كما تسمّيه نظرية «المصلحة العامة»، بل من فشل دولة أصلاً. وفي بلد تتداخل فيه السلطة السياسية مع الإدارة، وتُدار فيه القطاعات العامة بمنطق المحاصصة، لا يمكن للهيئات الناظمة أن تؤدّي الدور الذي أنشئت من أجله نظرياً.

هذا ما تلتقطه «نظريات المصلحة الخاصة»، التي تنطلق من نقد جذري لفكرة التنظيم في المصلحة العامة. فهذه النظريات، بحسب دوباش، ترى أن الهيئات الناظمة لا تعمل في فراغ، بل داخل بيئة سياسية واجتماعية محدّدة، وغالباً ما تتحوّل إلى أدوات في خدمة مصالح نافذة، سواء أكانت شركات، أم نخباً سياسية، أم تحالفاً بين الاثنين.

وتُعدّ نظرية «الاستحواذ التنظيمي» التعبير الأوضح عن هذا المنطق، إذ تشير إلى أن القطاعات الخاضعة للتنظيم تنجح، مع الوقت، في السيطرة على الهيئات الناظمة نفسها، عبر النفوذ السياسي، أو العلاقات الشخصية، أو تبادل المصالح. وفي السياقات التي تضعف فيها المحاسبة، يتحوّل التنظيم من أداة لحماية الصالح العام إلى أداة لحماية السلطة القائمة، التي تتضمّن شبكة العلاقات والمصالح مع القطاع الخاص.

يمكن القول إن هذه النظرية تلتقط أساس مشكلة فكرة الهيئات الناظمة في لبنان، من حيث عدم قدرتها على تحقيق الأهداف المرجوّة منها من جهة، ولناحية أنها تُصبِح أداة في أيدي أصحاب المصالح في القطاعات التي تُشرِف عليها من جهة أخرى.

لكن حتى لو كان افتراض أن فكرة الهيئات الناظمة هي فكرة ناجحة نظرياً، تبقى فكرة الاستقلالية، التي تُشكِّل محور النقاش. ففي لبنان لا تبدو المشكلة «استقلالية ناقصة»، من ناحية الصلاحيات، بل مشكلة تصميم خاطئ للأداة. بحسب الباحثة إيوان ساذرلاند، في ورقتها «استقلالية هيئات تنظيم الاتصالات»، فإن الهيئات الناظمة صُمّمت تاريخياً لتعمل داخل أنظمة تمتلك قضاءً مستقلاً، ورقابة برلمانية فاعلة، وتقاليد إدارية تسمح بالطعن والمساءلة.

الدراسات المقارنة تُظهِر بوضوح أن نجاح هذه الهيئات لا يرتبط بمستوى الدخل القومي مثلاً، بل بوجود منظومة مؤسّسية قادرة على تقييد السلطة التنفيذية. أمّا في الدول التي تتوافر فيها هذه الشروط، فتشكّل الهيئات الناظمة امتداداً طبيعياً للضوابط التي تفرضها السياسات الحكومية. وفي الدول ذات المؤسسات الضعيفة، تتحوّل هذه الهيئات إلى هياكل شكلية، تُنشأ استجابةً لضغوط خارجية أو لشروط «الإصلاح»، من دون أن تمتلك أي سلطة فعلية.

لبنان ينتمي بوضوح إلى الفئة الثانية. فالهيئات الناظمة أُدرجت في القوانين اللبنانية كجزء من رزمة إصلاحية موجّهة إلى الخارج، لا كنتيجة تطوّر داخلي في بنية الدولة. وقد جرى التعامل معها إمّا بالتعطيل، أو بالتفريغ من الصلاحيات، أو بتحويلها إلى ساحة جديدة للمحاصصة. وفي قطاعات أساسية كالكهرباء والاتصالات، لم يؤدّ غياب الهيئة الناظمة إلى فراغ تنظيمي بقدر ما كشف أن القرار الحقيقي موجود أصلاً خارج أي إطار مؤسّسي، وبيد السلطة السياسية مباشرة.

من هنا، فإن الإصرار على إنشاء هيئات ناظمة في لبنان لا يمثّل حلاً، بل قد يشكّل إمعاناً في الوهم الإصلاحي. فبدل مواجهة جوهر المشكلة، أي غياب الدولة القادرة على التنظيم والمُساءلة، يجري استيراد نموذج مؤسّسي لا تتوافر شروط عمله. وفي هذه الحالة، لا تؤدّي الهيئة الناظمة وظيفة تنظيمية، بل وظيفة سياسية، وهي إيهام الداخل والخارج بوجود «إصلاحات»، فيما تستمر آليات اتخاذ القرار نفسها.

بمعنى آخر، لبنان ليس بحاجة إلى هيئات ناظمة مستقلّة، لأن الاستقلالية نفسها غير ممكنة في ظل النظام القائم. الحاجة الحقيقية ليست إلى هيئة جديدة، بل إلى إعادة بناء سلطة عامة قادرة على الحكم والتنظيم مباشرة، عبر مؤسسات خاضعة للمساءلة الديمقراطية. من دون ذلك، تبقى الهيئات الناظمة مجرد هياكل قانونية، تُستخدم لتأجيل الإصلاح الحقيقي بدل تحقيقه.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد