معتز منصور/ باحث سياسي
لم يعد القرن الإفريقي مجرد هامش جغرافي بعيدًا عن مركز القرار العربي، لقد تحول، خلال السنوات الأخيرة، إلى واحدة من أكثر الساحات كثافة في الصراع الإقليمي والدولي. ما يجري هناك لا يمكن فهمه بوصفه حروبًا منفصلة أو أزمات محلية متجاورة، إنما هي مسار واحد تتقاطع فيه مصالح دول وشبكات نفوذ وقوى كبرى، في لحظة تاريخية تتغير فيها طبيعة الدولة نفسها. القرن الإفريقي، اليوم، ليس مسرحًا للحروب فقط، أيضًا هو مرآة كاشفة لطبيعة النظام الإقليمي الجديد.
في هذا السياق؛ تبدو مصر في موقع شديد الحساسية. دولة كانت، تاريخيًا، مركز ثقل إقليمي يصعب تجاوزه، لكنها تجد نفسها اليوم في وضع أكثر تعقيدًا، لا بوصفها لاعبًا خارجيًا فقط، إنما بوصفها ساحة يتقاطع فوقها نفوذ اقتصادي وأمني وسياسي، تتصدره دولة الإمارات. إذ إن العلاقة بين القاهرة وأبوظبي لم تعد قابلة للقراءة التقليدية، تحالف أو خلاف، دعم أو خصومة. نحن أمام علاقة تشابك بنيوي، تجعل الفصل بين القرار الوطني والضغوط الخارجية عملية شديدة الصعوبة.
دولة الإمارات اليوم هي أكبر مستثمر أجنبي في مصر، وهذه حقيقة رقمية لا يمكن القفز فوقها. لكن الأهم من حجم الاستثمار هو طبيعته؛ حين يتغلغل رأس المال في قطاعات سيادية، ويترافق مع علاقات وثيقة داخل أجهزة الدولة، يصبح الاستثمار أداة نفوذ، لا مجرد نشاط اقتصادي. هنا لا يعود السؤال عن النوايا، بل عن النتائج. النفوذ الذي لا يعلن نفسه نفوذًا، هو الأكثر رسوخًا، والأكثر صعوبة في المواجهة.
من هذه الزاوية، تصبح زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى أبو ظبي أمرًا بديهيًا. ليست زيارة مجاملة ولا رسالة تطمين عابرة، هي إدارة علاقة مأزومة بحسابات دقيقة. مصر لا تستطيع الاستغناء عن الإمارات، لا بسبب أزمتها الاقتصادية وحسب، أيضًا بسبب تشابك المصالح داخل الدولة نفسها. في المقابل، الإمارات لا تستطيع التخلي عن مصر، لأنها تمثل حجر زاوية في مشروعها الإقليمي، سياسيًا وأمنيًا ورمزيًا. هذه علاقة اعتماد متبادل، لكنها غير متكافئة بالكامل ومفتوحة على توترات كامنة.
السودان يكشف هذه التوترات بوضوح. الحرب هناك ليست مجرد صراع داخلي، هي ساحة اختبار للعلاقة المصرية الإماراتية. دعم ابو ظبي لمليشيات مسلحة يهدد وحدة السودان وأمن مصر في آن. مع ذلك، لا تتحرك القاهرة بحسم كامل. لا لأنها لا ترى الخطر، إنما الدولة نفسها ليست جسدًا واحدًا. هناك مؤسسات ترى كلفة الصدام أعلى من كلفة التعايش، وأخرى تدرك أن استمرار هذا المسار يهدد الأمن القومي على المدى المتوسط. هذا الانقسام الصامت يمنح الفاعلين الخارجيين مساحة حركة أوسع.
القرن الإفريقي، في هذا المشهد، يتحول إلى امتداد وظيفي للصراع. أثيوبيا ليست مجرد جار لمصر، هي منصة ضغط استراتيجية. كما أن سدّ النهضة لم يعد مشروعًا مائيًا فقط، هو أداة سياسية ضمن شبكة نفوذ أوسع. الدعم الإماراتي للنظام الأثيوبي لا ينفصل عن هذا السياق، ولا عن محاولة استخدام أثيوبيا عمقًا لوجستيًا في ملفات أخرى، من السودان إلى البحر الأحمر.
لكن هذا كله يجري تحت سقف دولي صارم. إذ إن الولايات المتحدة تنظر إلى المنطقة من زاوية أمن الملاحة واحتواء الصين. الصين ترى القرن الإفريقي حلقة أساسية في طريق الحرير الجديد. كذلك روسيا تبحث عن موطئ قدم يعوض خسائرها في ساحات أخرى. أما الاتحاد الأوروبي؛ فيركز على الهجرة والأمن البحري. هذا التزاحم لا يسمح بحسم سريع، لكنه ينتج استنزافًا طويل الأمد، يضغط على الدول الهشّة، ويختبر الدول الكبيرة.
لفهم هذا التحول، لا بد من بعد تاريخي. مصر لم تكن يومًا غائبة عن إفريقيا. في الخمسينيات والستينيات، من القرن الماضي، كانت القارة جزءًا من عمقها الاستراتيجي. لم تكن مصر غنية، لكنها كانت تملك فائضًا من المعنى والمبادرة. الانسحاب التدريجي بدأ مع السبعينيات، ومعه تراجع الحضور المصري لمصلحة قوى أخرى، دخلت الفراغ على أنه مشاريع نفوذ مرنة، لا بصفتها دولًا تقليدية .. إنّ سد النهضة، بهذا المعنى، لم يكن مفاجأة، بل نتيجة مسار طويل من التراجع.
ما يحدث اليوم يعيد إنتاج هذا التاريخ بشروط أشد قسوة. الفرق أن التهديد لم يعد جيشًا على الحدود، بل نفوذًا ناعمًا واستثمارات مشروطة وتحالفات ملتبسة. هذا لا يجعل المواجهة مستحيلة، بل مختلفة. المواجهة هنا لا تكون بالقطيعة، إنما باعادة التوازن، ولا بالشعارات، بل ببناء مناعة داخلية.
التفاهمات المصرية السعودية التركية تعكس هذا الإدراك، لكنها حتى لآان أقرب إلى إدارة الاختلافات منها إلى بناء حلف صدامي. السعودية تعيد ترتيب أولوياتها، وتركيا تبحث عن عمق بحري، وقطر تدرك حدود حركتها داخل مصر. لا توجد جبهة متماسكة في مواجهة محور آخر، بل هي حال شد وجذب مستمرة، كل طرف يختبر حدود الآخر من دون كسر الخطوط الحمراء.
في هذا السياق؛ تبرز الفكرة الأهم، ما يجري ليس قدرًا. الدول لا تسقط حين تخطئ، بل حين تقنع نفسها أن الخطأ صار مسارًا حتميًا. أخطر ما يمكن أن يحدث هو تطبيع الاختراق والتعايش معه بوصفه واقعًا لا بديل له. التاريخ المصري نفسه يقدم دليلًا واضحًاعن هذا الأمر؛ فهزيمة العام 1967 لم تكن نهاية، هي كانت لحظة إعادة تعريف شاملة، أعادت فيها الدولة ترتيب أولوياتها واستعادت مركز القرار.
اليوم؛ ما يزال أمام الدولة المصرية هامش حركة. لكنه هامش يتقلص. كل تأخير في إعادة تعريف العلاقة بين المال والسيادة، وبين الأمن والسياسة، يخصم من هذا الهامش. القرن الإفريقي ليس نذير هزيمة، هو جرس إنذار. أما أن يُقرأ بوصفه تهديدًا وجوديًا يستدعي إعادة تموضع حقيقية، أو يُترك ليصبح نموذجًا يتكرر على حدود أخرى.
الخطر الحقيقي ليس في خسارة جولة هنا أو هناك، بل في التحول التدريجي من دولة فاعلة إلى دولة ساحة. والفارق بين المسارين لا تحدده الجغرافيا ولا التحالفات، بل القرار.