مع إعلان وزير الداخلية اللبناني وتأكيد الرؤساء الثلاثة إجراء الانتخابات النيابية، في موعدها في العاشر من أيار المقبل، بات السؤال مشروعًا في ظل احتدام النقاش الداخلي في هذا الاستحقاق، في ظل تأكيد مراجع رسمية واسعة الاطلّاع أن أحدًا في لبنان لا يملك الجواب النهائي عن مصير الانتخابات.
الحرص الظاهر للقوى الرئيسة على إجراء الانتخابات في موعدها لا يعكس حقيقة المداولات، والتي ترتبط جزئيًا بتطورات خارجية ومواقف قوى إقليمية ودولية، لا سيما السعودية والولايات المتحدة.
بالفعل، أكد رئيس مجلس النواب نبيه بري تمسكه بإجراء الانتخابات؛ وقال: "من غير الجائز، مع بداية عهد جديد، أن نعيق انطلاقته بتعطيل أو تأجيل أو تمديد لأهم استحقاق دستوري هو الأساس في تكوين السلطات وإنتاج الحياة السياسية".
كما كرّر رئيسا الجمهورية والحكومة جوزف عون ونواف سلام، في وقت سابق، تمسكهما بإجراء الانتخابات في موعدها. إذ قال سلام، في تشرين الثاني الماضي، إن: "الحكومة ملتزمة بإجراء الانتخابات في موعدها.. ليس بأيدينا أن نؤجلها أو نسبقها عن موعدها، هذه المسألة بيد البرلمان". أما عون؛ فقد قال: "قد يكون هناك من لا يرغب في حصول الانتخابات، وهذا هو واقع لبنان، أما في ما يخصني مع الرئيسين بري وسلام، فهناك تمسّك بإجرائها".
هذا ما يقال في العلن، أما ما يدور في الكواليس فالأمور تأخذ منحى آخر.إذ يبدو أن سلام الأكثر حماسة لتأجيل الانتخابات، إذ روّج في الأيام الأخيرة أنه تلقّى رسائل مباشرة من جهات خارجية بعدم الرغبة في تعديل التوازن القائم حاليًا. وفي ما أشار سلام إلى دعم السعودية وفرنسا للتأجيل.
يرتبط موقف سلام بسعيه للبقاء في منصبه، وسط نقاش دستوري متباين. هذا؛ في ما ينص الدستور على أن الحكومة تُعد مستقيلة تلقائيًا بانتهاء ولاية مجلس النواب في 25 أيار المقبل. في حين آراء أخرى ترى أن الحكومة تبقى قائمة إذا لم تُجرَ انتخابات لمجلس نيابي جديد، إلا إذا انعقد المجلس وسحب الثقة منها. يستند سلام إلى الرأي الأخير، وإن كانت مخاوفه قد زادت بعد المهرجان الذي أقامه تيار المستقبل والكلام عن نيته المشاركة في الانتخابات.
ينبع قلق سلام فقط من كون أمل وحزب الله لا يريدان بقاء حكومته، ومن أن الحريري قد يكون حليفًا موضوعيًا لهما في ذلك. كما أن النائب السابق وليد جنيلاط قد يكون صاحب مصلحة في إجراء الانتخابات. كذلك يتهم سلام رئيس الجمهورية بالسعي إلى الإطاحة بحكومته بإصراره على إجراء الانتخابات في موعدها. وبحسب مصادر وزارية، كان الاستياء واضحًا على وجه سلام، في جلسة الحكومة أمس (16 شباط)، عندما قال عون: "سمعنا سابقًا عن تأجيل الانتخابات البلدية، ولكنها حصلت. واليوم نسمع عن تأجيل الانتخابات النيابية، لكنّها ستحصل في موعدها".
هيئة التشريع تربك المشهد الانتخابي باقتراع المغتربين
أقحم جواب "هيئة التشريع والاستشارات" في وزارة العدل بشأن سؤال وزير الداخلية عن اقتراع المغتربين المقيمين في الخارج وحقهم في الاقتراع من مقر إقامتهم للـ128 نائباً، المشهد الانتخابي في مزيد من الإرباك والتأزم. قد يهدد هذا باندلاع مشكلة بين الحكومة، في حال تبنّت الجواب، والفريق النيابي الرافض له، ما قد يؤدي إلى تهديد إنجاز الاستحقاق النيابي في موعده المقرر في أيار المقبل.
جواب الهيئة قوبل بموقف رافض ومستغرب وغير قابل للتأويل من الرئيس برّي، والذي لم ينتظر ردّ الحكومة والقوى السياسية عليه، ليكون بوسعه أن يبني على "الشيء مقتضاه"، بل بادر إلى تحديد موقف من الأمر بقوله: "إنها المرة الأولى التي نسمع فيها أن القاضي يوقف تنفيذ القانون بدلاً من السهر على تطبيقه، ولا يمكن القفز فوقه باستشارة غير ملزمة، وأن الجواب الذي صدر عن الهيئة ينم عن وجود خطة تمنع إجراء الاستحقاق النيابي في موعده، وأن صدوره جاء بإيعاز من جهة ما".
المرشّحون يواجهون صعوبة في التقدّم بترشيحاتهم
هذا؛ ويواجه المرشّحون في الانتخابات النيابية صعوبة في التقدّم بترشيحاتهم لعدم قدرتهم على استخراج إفادات مصرفية وفتح حساب مصرفي، وفقًا لما يوجبه القانون. باستثناء الرئيس برّي الذي كان سبّاقًا في التقدّم بترشيحه الأسبوع الماضي، إذ لم يتمكّن أيّ من المرشّحين من الحذو حذوه، على الرغم من مرور سبعة أيام على فتح وزارة الداخلية والبلديات باب الترشّح.
كما أوضحت أميرة سكر المرشّحة عن المقعد السنّي، في دائرة بيروت الثانية، أنها توجّهت الثلاثاء الماضي إلى الوزارة لطلب نسخة من قائمة الناخبين النهائية تثبت قيدها موقّعة من موظف الأحوال الشخصية ومُقرِّر لجنة القيد الابتدائيّة في دائرتها، فأُبلغت بأن الموظف المولج بالتوقيع على هذه القوائم لمّا يُحدّد بعد، وطُلب منها العودة في اليوم التالي. المشكلة نفسها واجهتها عند محاولة فتح حساب مصرفي لحملتها، إذ أخبرها الموظف بعدم قدرته على تلبية طلبها لغياب تعليمات واضحة من الإدارة، في ما أفادها مدقّق الحسابات المحلّف بأن نقابته لمّا تحدّد بعد قيمة أتعابه.
في السياق نفسه، أشار النائب أديب عبد المسيح إلى أن المصارف لم تتلقَّ أي تعميم من مصرف لبنان بشأن فتح حسابات الترشّح والصرف الانتخابي، ما يجعل تقديم طلب مكتمل إلى وزارة الداخلية غير ممكن. ورأى في ذلك مخالفة قانونية تُضاف إلى سلسلة المخالفات، وتجعل تعميم الوزارة عرضة للطعن.
إلى ذلك؛ كان وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار قد أصدر، في 3 شباط المنصرم، تعميمًا يوضح آلية الترشّح والمستندات المطلوبة، مُحدِّدًا 10 شباط موعدًا لفتح باب الترشّح، معلنًا "الجاهزية التامة". إلا أن الواقع أثبت أن التعميم ما يزال حبرًا على ورق، إذ عجزت الإدارات المختصّة عن تنفيذه، أو ربّما تأخّرت في ذلك.
أمام هذا الواقع، يُطرح سؤال جوهري: من يتحمّل مسؤولية هذه الثغرات التي قد تمنع بعض المرشّحين من استكمال مستنداتهم فتحرمهم من حقّهم في الترشّح؟
في هذا السياق، تعود إلى الواجهة الإشكالية التي ظهرت في الانتخابات السابقة، ويُتوقّع أن تتكرّر، والمتعلّقة بعدم قدرة المنتمين إلى حزب الله على فتح حسابات مصرفية. وهنا نعود للتساؤل في ما إذا كان البعض وراء هذه العراقيل لتطيير إجراء الانتخابات النيابية في موعدها؟!..