مريم الحبيب/ العربب الجديد
برز اسم دانيال سياد في سياق إعادة فتح التورط الفرنسي في قضية جيفري إبستين، وشبكات الاستغلال الجنسي المرتبطة بعالم الأزياء والنفوذ. التغطيات تحدّثت عن دوره المفترض في "تجنيد" عارضات شابات لصالح إبستين، وعن شكوى تقدّمت بها عارضة سويدية سابقة تتهمه بالاغتصاب.
ملفّ قضائي ثقيل، يفترض أن يُناقَش في إطار الوقائع والمسؤوليات الفردية. لكن في جزء من الإعلام الفرنسي، ولا سيما المنابر القريبة من اليمين، لم يكن الاسم وحده كافياً. كان لا بد من تثبيت "الأصل". الإشارة إلى جذور جزائرية، أو توصيفه باعتباره جزائرياً فقط، حتى لو كان الرجل غادر إلى السويد باكراً، عاش معظم حياته في المجتمع السويدي والفرنسي، وحتى وإن كان الرجل يرفض تعريف نفسه بـ"الجزائري"، بل يكتفي بوصف نفسه "أمازيغي يهودي" في واحدة من مراسلاته مع إبستين.
فجأة، يصبح الانتماء المتخيَّل مفتاحاً تفسيرياً للجريمة. لا يُسأل: ماذا فعل؟ بل من أين جاء؟ هذا الأسلوب ليس تفصيلاً تقنياً في الصياغة، بل جزء من سردية راسخة. حين يكون الاسم عربياً أو غير أوروبي، تتقدّم الهوية إلى الواجهة، ويُربط السلوك الفردي بخلفية ثقافية أو جغرافية. أما حين يكون المتهم فرنسياً أبيض، فتناقش الجريمة في أبعادها الشخصية أو النفسية، ليُعاد إنتاج معادلة مبسّطة: العنف يأتي من الخارج، دائماً، بينما عنف الداخل استثناء. من هذه النقطة، يمكن الانتقال بسهولة إلى جملة كارين لو مارشان التي أثارت سجالاً.
مقدّمة البرامج الشهيرة على "إم 6" (M6)، وفي سياق حديث عن الهجرة على قناة سي نيوز (CNews)، قالت إنها حين وصلت إلى باريس صُدمت برؤية "كل هؤلاء السود، كل هؤلاء العرب"، وإنها شعرت بالخوف. جاء ذلك في إطار مناقشة وثائقي أعدته هي نفسها عن الهجرة. بدا النقاش شيقاً للحظة، ثم انحرف بطريقة مريبة ليرسم معياراً خفياً: المهاجر المقبول هو ذاك الذي لا يُظهر اختلافه، ولا يطالب بحقوقه، ولا يجعل هويته مرئية في الفضاء العام.
في مقابلة أخرى، فرّقت لو مارشان بين "هجرة إيجابية" تضم أشخاصاً ناجحين و"لائقين"، وبين كتلة من العمال البسطاء الذين يغيرون طبيعة المجتمع، في تماهٍ تام مع خطاب اليمين الشعبوي الذي يحوّل الجدارة الاقتصادية إلى شرط أخلاقي للقبول، فيما يُختزل الآخرون، جميعاً، (أي الفقراء والعمال الملونون) في صورة جماعية ضبابية.
قد تبدو هذه التصريحات فردية أو عاطفية. لكن حين توضع إلى جانب أرقام رسمية، يتضح السياق الأوسع. دراسة للمعهد الفرنسي لبحوث الرأي العام (IFOP)، نُشرت في سبتمبر/أيلول الماضي، أظهرت أن 82% من الفرنسيين والفرنسيات المسلمين يرون أن الكراهية المعادية للمسلمين منتشرة في البلاد.
ثلثا المسلمين أفادوا بأنهم تعرّضوا لسلوك عنصري خلال السنوات الخمس الماضية، ونصفهم يخشى التعرّض لاعتداء، فيما ترتفع النسبة إلى 76% لدى من هم دون الخامسة والعشرين. وزارة الداخلية سجّلت بدورها ارتفاعاً كبيراً في الأعمال المعادية للمسلمين في 2025. في هذا المناخ، لا تبدو تصريحات الوزيرة السابقة وعضوة المجلس الدستوري سابقاً، نويل لونوار، حدثاً منفصلاً. على قناة سي نيوز، قالت قبل أسابيع إن "ملايين الجزائريين يشكلون خطراً كبيراً"، وإنهم قد "يخرجون سكيناً في المترو أو يدهسون حشداً بسيارة".
تعميم فجّ يربط جالية كاملة بالإرهاب المحتمل، يُرمى هكذا على الهواء من دون أي مراجعة. التصريحات مرّت من دون اعتراض يُذكر على الهواء، قبل أن تثير موجة شكاوى قضائية وإدانات سياسية. ما يجمع بين سياد ولو مارشان ولونوار، ليس وحدة الموضوع، بل وحدة الآلية. في الحالات الثلاث، تتحول الهوية إلى أداة تفسير جاهزة: اسمٌ عربي في قضية جنسية دولية يُستدعى معه الأصل؛ ومذيعة تعبّر عن "خوف" من العرب فيُقدَّم هذيانها بوصفه إحساساً مشروعاً؛ ووزيرة سابقة تعمّم الاشتباه على ملايين الجزائريين باسم الأمن.
حين يكون المتهم أبيض تناقش الجريمة في أبعادها النفسية وحسب
الخطاب هنا بسيط ومباشر، وربما لهذا السبب هو فعّال. لا يحتاج إلى نظريات معقدة. يكفي أن يُقال إن المشكلة في "هؤلاء"، في كثرتهم وفي دينهم وفي ثقافتهم. ويكفي أن يُعاد التذكير بالأصل كلما ذُكر اسم. هكذا، تتراكم طبقات من الشكّ والريبة، حتى تصبح جزءاً من الحسّ المشترك. في المقابل، تغيب الأسئلة البنيوية: عن السياسات العامة، عن التمييز في سوق العمل والسكن، عن مسؤولية الإعلام في تأطير الخبر.
حين يُختزل النقاش في هوية المتهم أو في خوف شخصي، يُزاح النقاش عن البنية التي تنتج الإقصاء. وحين يُقدَّم المسلم أو الجزائري أو العربي باعتباره احتمال خطر دائم، تُعاد صياغة المواطنة بوصفها امتيازاً مشروطاً وليس حقاً مكتسباً. الإعلام ليس مجرد مرآة للمجتمع. إنه صانع صور ومخاوف.
بين اسمٍ يُربط بأصلٍ لم يعشه، وجملةٍ عن "الخوف" من العرب، وتصريحٍ يجرّم ملايين الجزائريين دفعة واحدة، تتشكّل لوحة واحدة: خطاب عنصري سهل ومباشر ويتسلل من نشرات الأخبار إلى البرامج الحوارية، ويجد دائماً من يبرّره باسم حرية التعبير أو الواقعية. السؤال لم يعد ما إذا كانت هذه الانزلاقات فردية، بل ما إذا أمست بنية. وعندما تصبح الهوية أول ما يُستدعى في الخبر، وآخر ما يُنسى في النقاش، نكون أمام إعلام لا يكتفي بنقل الإسلاموفوبيا، بل يساهم في صناعتها.