حسن نعيم/كاتب روائي لبناني
من عبق الأرض؛ وهي تحتفي بأول زخة مطر تشريني في جنوبنا الصامد، إلى آخر موقع من مواقع الثوار في العالم، ثمة شريان حياة ولغة من تراب معجون بالدماء تحفر على صخور الحرية أحرفًا من أبجدية المقاومة، تتلوها الأجيال للأجيال، وترددها الأزمان للأزمان.
للحرية الحمراء صور وأشكال وألوان على دفاتر صبية فقراء على طاولات خشبية عتيقة، أجراس ومآذن، حصادون ومعاول، وكتب سماوية وأدعية وابتهالات وصلبان، مغاور وكهوف، وأنفاق وقوارب، كمان وأشراك...
من أعالي تومات نيحا إلى مغاور جبل صافي، إلى أنفاق" كو تشي (Cu Chi) "في فيتنام وأودية الجزائر، إلى غابات بوليفيا وحارات القدس القديمة، ثمة خيطٌ من وفاء يربطُ قلوب الثوار، ويجدلها مع بعضها البعض؛ كأنها حزمة نور تضيء ظلمات هذا العالم المبتلى منذ فجر التاريخ بالاستبداد والاستعمار والطغيان.
الأرض هي هي مهما تعددت الآفاق: الجزائر، بحر الكاريبي، القدس، لبنان، كمبوديا، لاوس، وفنزويلا.. والقاتل واحد وإن تعددت الأسماء: بن غوريون، شامير، شارون، دوايت أيزنهاور، ليندون جونسون، ريتشارد نيكسون، جورج بوش، ودونالد ترامب. والمقتول واحد بتعديل طفيف جدًا: غيفارا، تشافيز، مادورو، نيلسون مانديلا، عمر المختار، عباس الموسوي، راغب حرب، عماد مغنية، وآخرون بلا أسماء، تركوا تواقيعهم بالدماء على صكوك الحرية، ومضوا بلا سجلات ولا أي عنوان.
هي المقاومة تربط ضفتي هذا العالم، وهم المقاومون كالأنبياء يحملون أرواحهم ويعبرون المنطقة الفاصلة بين الذل والعنفوان على قوارب الشهادة، يبشرون بثقافة مختلفة عنوانها كلمة: "لا".. لا للاستعمار، لا للاحتلال، لا للذل والهوان...
باتت كلمة "لا" غضة، نديّة كغصن الزيتون الأخضر، وغدت فكرة، وثقافة حياة ولغة عالمية يتقنها الأحرار كلهم، من أحشائها تشرق شمس الحرية، وفي ساحاتها تحتفل الأوطان بأعراس النصر الذي لا بد آت.. لأن الأساطيل قد تعبر البحار، . وقد تصل حاملة الطائرات " إبراهام لنكولن " إلى "الشرق الأوسط" والخليج ومعها كل الإحداثيات والتقنيات والرادارات ، لكنها أبدًا لا تستطيع أن تهزم شعبًا قرر أن يلفظ "لا" مع أنفاسه الأخيرة.
على هذه الأرض التي لا تخون سرّها، تتآخى زغردات الجراح مع أهازيج الفرح بالانتصارت،.. فالمقاوم الذي يمسح غبار التبغ عن جبينه في قرى الجنوب، يصافح بروحه فلاح" دارفور" الغارقة قدماه في طمي غيطان النيل ، وذاك المقاتل الذي يزرع الألغام في "سايغون" ليحصد الحرية، ويشدّ على يد المقاتل الذي يقتاتُ من صبار "الأنديز" وهو يطارد فلول الاحتلال.
المقاومة هنا أكثر من رد فعل على العدوان، إنها، مشروع صناعة الإنسان ، وفقًا لنظرة تربوية ، بنائية ترى في البندقية تصعيدا للعبادة والصلاة والقيام من أجل حرية الإنسان وكرامته في مناخات وحدوية ترى كل صاروخ ينطلق من صنعاء صدىً لصرخة المعذبين في الأرض ، وفي كل رصاصة تنطلق من غزة تصيبُ في مقتلها قلب الاستكبار في عواصم الاستبداد كلها...
إذا كان الطواغيت يملكون الأساطيل؛ فإن الثوار يمتلكون الأرض.. وإذا كان المستكبرون يمتلكون التكنولوجيا؛ فإن المستضعفين يمتلكون الإيمان.. المحتلون عابرون في كلام عابر، وأهل الأرض باقون ما بقيت شتلة التبغ في ميس الجبل و الزعتر البري في تلال بيت ياحون، وواحات النخيل في بغداد ، أوطانهم ليست للبيع وأرضهم ليست معروضة للصفقات؛ لأنها بكل بساطة مجبولة بدماء الشهداء.