اوراق خاصة

ملف إبستين.. حين تسقط الأخلاق من مركز النظام لا من هامشه

post-img

معتز منصور/ باحث سياسي

لم تكن قضية جيفري إبستين مجرد فضيحة أخلاقية مدويّة، ولا حكاية رجل منحرف نجح في خداع المجتمع، لقدكانت لحظة كاشفة لبنيّة كاملة من التواطؤ الصامت بين المال والسلطة والرمزية الأخلاقية في الغرب. الفارق الجوهري، هنا، أن ما انكشف لم يكن سلوكًا فرديًا، إنما هو منطق نظام. نظام يسمح بانتهاك القيم التي يرفعها، ثم لا يتعامل مع الانكشاف كونه خطرًا وجوديًا، بل أزمة إدارة سمعة.

في جوهر المسألة، لم يكن إبستين فاعلًا مستقلًا، لقد كان وسيطًا اجتماعيًا. رجل فتح الأبواب بين عالم الثروة غير المنضبطة والنخب السياسية والدبلوماسية والأكاديميا ومراكز النفوذ غير المرئية. السؤال الحقيقي الذي طرحته الصحافة الأوروبية بحدة، وتجنبت الصحافة الأمريكية الغوص فيه بعمق مماثل، هو: كيف تمكن شخص مثله من التحرك بحرية داخل أعلى دوائر النفوذ، على الرغم من سجله المعروف والتحذيرات الموثّقة والقضايا السابقة لم تكن سرًا؟

في أوروبا، خاصة في دول مثل النرويج، تعاملوا مع القضية بوصفها أزمة شرعية لا مجرد فضيحة. استقالات وتحقيقات ومراجعة للمعايير؛ لأن الثقافة السياسية الأوروبية ما تزال تفترض أن النخبة مطالبة بالحد الأدنى من التماسك الأخلاقي كي تحكم. ليست المسألة إثبات جريمة فقط، هي فقدان أهلية رمزية. حين يظهر أن دبلوماسيًا أو مسؤولًا رفيعًا كان على تماس مع شبكة مشبوهة، فذلك كافٍ لليكون عبئًا على المنصب، حتى قبل صدور حكم قضائيًّا.

في الولايات المتحدة، المشهد مختلف. النظام السياسي فيها فصل الأخلاق عن الشرعية منذ زمن. ما يهم هو القانون والانتخابات والمال، أما الأخلاق فهي عنصر ثانوي تفاوضي، يخضع لموازين القوة. لذلك لم يتحول ملف إبستين إلى لحظة تطهير، إنما إلى عملية احتواء وتسويات مالية ولجان شكلية وضجيج إعلامي، ثم عودة تدريجية إلى العمل المعتاد. النظام لم يهتز، بل امتص الصدمة.

الاقتصاد، كعادته، كان الأكثر براغماتية. في أمريكا، العلاقات التي نسجها إبستين مع جامعات كبرى ومراكز أبحاث وصناديق استثمار، لم تفكّك. جرت إعادة تموضع وإعادة تسمية وتبرعات تعويضية، لكن التدفقات المالية استمرت، والأخلاق ترجمت إلى أرقام لا إلى إعادة بناء، السوق لا يسأل من أين جاء المال طالما بقي داخل القواعد.

في أوروبا، كان الأثر الاقتصادي غير مباشر لكنه أعمق. تآكل الثقة في النخب انعكس تشدّدًا شعبويًا إزاء الضرائب والسياسات الاجتماعية والتمويل العام للمؤسسات الدولية. حين يشعر المواطن أن من يطلب منه التضحية لا يخضع للمعايير نفسها، تنهار شرعية السياسات، لا قوانينها فقط. هذا ما تلتقطه تقارير منظمة الشفافية الدولية ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حيال تراجع الثقة بالحكم الرشيد في الديمقراطيات الغربية.

اجتماعيًّا، كان ملف إبستين لحظة انكشاف النفاق. في أوروبا، عزّز الشعور بأن النخب تعيش بقواعد مختلفة، والخطاب الأخلاقي ليس سوى واجهة. هذا الشعور هو الوقود الحقيقي لصعود الشعبوية، لا الهجرة ولا الأزمات الاقتصادية وحدها. في الولايات المتحدة، كانت النتيجة استقطابًا حادًّا. الفضيحة لم توحد المجتمع ضد الفعل، بل قسمته حيال تفسيره. قسم رآها دليلًا على فساد النخب الليبرالية، وآخر رأها مؤامرة سياسية. الأخلاق هنا لم تعد مرجعية جامعة، بل ساحة صراع.

ما يكشفه ملف إبستين بعمق هو أن الغرب لا يعاني غياب القيم، إنما من ازدواجية تطبيقها. القانون يعمل، لكن الانتقاء الأخلاقي يعمل أكثر. الفضيحة لا تسقط الجميع، إنما تسقط فقط من انتهت صلاحيته داخل توازنات القوة. من يبقى محميًا يبقى؛ لأن النظام يحتاج إليه، لا لأن سلوكه نقيّ.

في هذا السياق؛ يصبح ملف إبستين مرآة نظام لا شذوذا عنه. نظام يتحدث عن حقوق الإنسان، لكنه يتسامح مع استغلالها حين يصدر من داخل دائرته. نظام يبشر بالشفافية، لكنه يغلق الملفات حين تهدد بنيته. نظام لا يكذب، لكنه يختار متى يقول الحقيقة.

الخطر الأكبر ليس في الفضيحة نفسها، إنما في ما بعدها. حين تتحول الأخلاق من معيار حكم إلى أداة صراعٍ، تفقد المجتمعات بوصلتها. حين يفقد المواطن إيمانه بعدالة المعايير، لا يعود مستعدًا للدفاع عن النظام حتى لو كان قانونيًا. التاريخ يعلمنا أن انهيار الثقة يسبق دائمًا انهيار المؤسسات.

ملف إبستين لن يسقط الغرب، لكنه كشف شقوقه العميقة. السؤال المفتوح ليس من تورّط، بل: هل تملك هذه المجتمعات الشجاعة لإعادة بناء أخلاقها بوصفها قيمة جامعة، لا سلاحًا انتقائيًّا. هذا هو الامتحان الحقيقي، وما عداه تفاصيل.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد