أوراق ثقافية

برتراند راسل.. السلطة بصفتها محرّكًا للتاريخ

post-img

في أواخر ثلاثينيات القرن العشرين، في وقت كانت فيه أوروبا على شفا الحرب، تتصاعد فيها النزعات الشمولية، نشر الفيلسوف البريطاني برتراند راسل كتابه "السلطة: تحليل اجتماعي"، محاولة لإعادة بناء فهم العلوم الاجتماعية من منظور جديد يضع السلطة في صميم التحليل. يرى راسل أن السلطة فضلا عن كونها أداةً للتحكم تمثل الجوهر الذي يوجه سلوك الأفراد والجماعات، ويشكل ديناميكيات المجتمعات، ويعطي معنى لتطور التاريخ.

من هذا المنطلق، يحاول الكتاب الذي صدرت له نسخة عربية جديدة الشهر الجاري (دار التكوين للنشر)، بترجمة باسل المسالمة، تفسير كيفية ظهور السلطة، وكيفية توزعها، وكيف يمكن ضبطها بما يحمي حرية الفرد ويوازن بين الاستقرار الاجتماعي والإبداع الفردي.

يعالج راسل العلاقة بين الفرد والتنظيم الاجتماعي باعتبارها محورًا أساسيًا لفهم الحضارة. فالتقدم الإنساني، وفقًا له، لا يتحقق إلا عندما ينجح النظام الاجتماعي في حماية التعاون بين الناس مع صون المجال الذي يسمح بالمبادرة والإبداع، إذ إن الاستقرار الاجتماعي والإبداع يسيران في توتر دائم يتطلب فهمًا دقيقًا للدوافع البشرية وطبيعة السلطة.

أشكال السلطة مترابطة وتتغير تاريخيًا وفق موازين القوة

يتتبع الكتاب جذور التعاون الاجتماعي منذ المجتمعات البدائية التي اعتمدت على الولاء الجماعي والخوف المشترك من الأخطار، مرورًا بتطور المؤسسات التي تنسق الجهود الجماعية، وتحدّد التوازن بين مركزية القوة وحركة الأفراد، وصولًا إلى الدولة الحديثة التي توسعت بتأثير الحاجات الاقتصادية والعسكرية والتقنية، لتصبح أدواتها واسعة النفوذ في حياة الأفراد.

يناقش الكتاب أشكال السلطة المختلفة، من الكهنوتية والملكية والعسكرية والثورية والاقتصادية، إلى سلطة الرأي العام عبر التأثير والدعاية، موضحًا أن هذه الأشكال مترابطة وتتغير تاريخيًا، وفق موازين القوة، بينما تمثل المؤسسات السياسية والاقتصادية فضاءات يعاد فيها توزيع النفوذ، وغالبًا ما يميل هذا التوزيع نحو التركّز. كما يتناول الحكم التعسفي وإمكانية الحد منه، رابطًا بين ضبط السلطة وصون استقلال الفرد، مع الإشارة إلى أن الحروب كانت تاريخيًا العامل الأكثر تعزيزًا للاستبداد.

راسل يقدم تحليلًا فلسفيًا واجتماعيًا، مستندًا إلى قراءةٍ متأنية للتاريخ الأوروبي وتأمل تحولات السلطة عبر العصور، وطموحه تطوير منهجية لفهم العلوم الاجتماعية من منظور السلطة بوصفها عاملًا أساسيًا في كل الظواهر الاقتصادية والثقافية والسياسية والمدنية. هكذا، يضع الفيلسوف القوة في مركز التفكير الاجتماعي، باعتبارها مدخلًا لفهم السياسة والتاريخ وبنية المجتمع، ويطرح السؤال السياسي من جذوره إليه اليوم كيف تتشكل السلطة، وكيف تتوزع، وكيف يمكن تقييدها ضمن أفق أكثر عدالة وتوازنًا؟

تُرجم الكتاب إلى العربية عدة مرات، إذ صدرت أول ترجمة في القاهرة عام 1953 على يد محمد بكير خليل لصالح جامعة الدول العربية، وكانت الطبعة حوالي 111 صفحة، وتمثل محاولة سابقة رغم ندرتها. ثم صدرت ترجمة أخرى عام 2007 عن دار الطليعة في بيروت بترجمة شاهر الحمود، قبل أن تأتي النسخة الحديثة عن دار التكوين للنشر.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد