سلوى بعلبكي (صحيفة النهار)
بعد أكثر من 6 سنوات على الأزمة، وفيما لا يزال المودعون ينتظرون استعادة مدخراتهم والاقتصاد يعاني ركوداً حاداً، وجه رئيس لجنة المال والموازنة النائب إبراهيم كنعان دعوة إلى جلسة غداً الثلاثاء، مرفقة بمشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع (قانون الفجوة) وتعديلات الحكومة على قانون إصلاح المصارف.
توازياً، عمّمت جمعية المصارف دراسة أعدتها شركة "أنكورة" تتضمّن تعديلات تهدف إلى تخفيف الأعباء عن المصارف، أبرزها بيع جزء من احتياطات الذهب لتسديد أول 100 ألف دولار من كل وديعة بدل تحمّل المصارف 40% من الكلفة، واقتطاع ما سبق أن قبضه المودعون بموجب تعاميم مصرف لبنان من السقف المضمون، وتحميل الدولة خسائر إضافية عبر ديون عامة لمصلحة مصرف لبنان. وتقترح شطب جزء من الودائع قبل المسّ برأسمال المصارف، واحتساب احتياطات "المركزي" ضمن مساهمة المصارف في الشريحة الأولى، مع المطالبة بضمانات للاستدامة المالية، في إطار سعيها إلى تقليص كلفة إعادة الرسملة على المساهمين.
الى ذلك، تبرز مقاربة مختلفة يقترحها الخبير المصرفي غنطوس الجميّل تحت عنوان برنامج حماية الودائع والتعافي الاقتصادي Deposits and Economy Recovery Plan (DERP). فخطة الحكومة اللبنانية لاسترداد الودائع ترتكز على مسار تشريعي وإعادة هيكلة مالية تهدف إلى معالجة الفجوة بين الالتزامات والقدرات، عبر توزيع الأعباء بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف. إلا أن النقاش الدائر حولها يعكس مخاوف واسعة لدى المودعين من أن تتحول المعالجة إلى اقتطاعات مقنعة أو جداول طويلة الأمد تفقد الودائع قيمتها الفعلية. ضمن هذا السياق، يقدم الجميّل برنامج DERP باعتباره خياراً مغايراً، يقوم على قناعة لديه بأن حماية الودائع لا تتحقق بإدارة الندرة، بل بإعادة تشغيل محركات الاقتصاد عبر الائتمان المنتج.
المشكلة الجوهرية التي تفاقمت منذ عام 2019 لا تقتصر برأيه على فجوة مالية، بل تتمثل في انهيار حلقة الثقة بين المصارف والمودعين، وتوقف ركنَي الائتمان والادخار معاً. القطاع المصرفي تعطل عملياً، والاقتصاد انزلق إلى نمط نقدي يعتمد على الكاش، فيما بقي ملايين المودعين محرومين من الوصول الحر إلى أموالهم. فالإجراءات السابقة من سحوبات جزئية وسقوف اعتباطية لم تنجح في استعادة الثقة ولا في إطلاق دورة إنتاجية جديدة، ما أدى إلى بطالة مرتفعة وتراجع حادّ في القدرة الشرائية.
انطلاقاً من هذا التشخيص، يعتبر الجميّل أن أي خطة لا تعيد تفعيل الائتمان ستبقى قاصرة عن تحقيق تعافٍ فعلي. برنامج DERP، يشكل خريطة طريق تمتد على عامين، تعالج أزمة الودائع والشلل الاقتصادي في آن واحد. وبدلاً من استنزاف السيولة المحدودة عبر سحوبات متفرقة، يقترح إطلاقاً منظماً للائتمان لتحفيز الاستثمار وخلق فرص العمل وتحسين الدخل، ما يخفف تدريجاً من الخوف من السحوبات الجماعية ويؤمن حماية متدرجة لكامل الودائع.
آلية التنفيذ تقوم على تنسيق بين 3 أطراف رئيسية. مصرف لبنان يواصل دفع مبالغ شهرية للمودعين تتناسب مع حجم ودائعهم، توازياً مع منح المصارف التجارية خطوط تمويل تقدر بنحو 8 مليارات دولار، وفق حجم ودائع زبائنها وأرصدتها لديه. هذه الخطوط تمول من الاحتياطات الحرة والأصول المتاحة، وعند الحاجة من ذهب لبنان الذي يشكل رصيداً استراتيجياً ازدادت قيمته. الهدف يتمثل في توفير سيولة موجهة نحو القطاعات الإنتاجية، لا تمويل استهلاكي عشوائي، على أن تستخدم المصارف هذه التمويلات حصراً للإقراض للقطاعات الإنتاجية والاجتماعية وللأفراد، ضمن معايير صارمة يحدّدها "المركزي". في المقابل، تلتزم المصارف بحد أدنى من الربحية لتوليد سيولة حرّة، مع تعليق توزيع الأرباح والسير في مسار إعادة رسملة تدريجية تمتد بين 5 و7 سنوات بما ينسجم مع المعايير الدولية. بهذا المسار تتحوّل المصارف من مؤسسات تدير أزمة إلى مؤسسات تسهم في إنتاج النموّ. أما المودعون، فيفيدون من تحرير تدريجي لودائعهم بالتوازي مع استعادة حق الوصول إلى الائتمان. حماية الودائع، في هذا التصور، تتحقق من خلال اقتصاد يولد دخلاً وفرص عمل، لا من خلال تقنين مستمر للسحوبات.
مكاسب البرنامج تمتد إلى مختلف مفاصل الاقتصاد. المودعون يستعيدون أموالهم تدريجاً وتتراجع الضغوط المالية عليهم، ما يعيد أنماط الاستهلاك والادخار إلى مسارها الطبيعي، أما الاقتصاد فيسجل نمواً فعلياً مع خلق فرص عمل وتحسن القدرة الشرائية وعودة الاستثمار، وتراجع تدريجي لاقتصاد الكاش، فيما تستفيد الدولة من ارتفاع الإيرادات الضريبية والجمركية مع انتعاش النشاط. وهكذا يشهد الضمان الاجتماعي والنقابات زيادة في الاشتراكات وتحسناً في الموارد، بينما يستعيد مصرف لبنان دوره الاستراتيجي تدريجاً وتتراجع حال الهلع المصرفي.
رهان DERP يقوم على خيار معاكس لمنطق توزيع الخسائر فقط، فيما المقاربة تقوم على حماية الودائع عبر النموّ، وإعادة ربط الاقتصاد بأسسه الطبيعية: الائتمان، العمل، الادخار، والثقة.