أوراق سياسية

من هي الأطراف التي تريد التمديد لمجلس النواب؟

post-img

حسين كوراني/ صحفي

في خضمّ السجال السياسي المتصاعد بشأن الاستحقاق النيابي، في أيار المقبل، برز سيناريو التمديد الفعلي للمجلس النيابي. هذا ليس بسبب خيار التأجيل التقني المرتبط بالجوانب اللوجستية والإدارية، بل بفعل ضغوط خارجية تمارسها قوى دولية ليس لها مصلحة في إجراء الانتخابات ضمن موعدها المحدّد.

وفقًا للمعطيات المتداولة، أبلغ سفراء اللجنة الخماسية (الولايات المتّحدة والسّعودية ومصر وفرنسا وقطر) من يعنيهم الأمر ممّن تواصلوا معه أو تواصل معهم، في الآونة الأخيرة، بأنّهم يحبّذون تأجيل إجراء الانتخابات إلى موعد لاحق لا يقلّ عن سنة على أقل تقدير.

سيناريو التأجيل تواصل، يوم السّبت الماضي، عندما لفتت جريدة "الأخبار" إلى أنّ رئيسَي الجمهورية جوزاف عون والنوّاب نبيه برّي تلقّيا، للمرّة الأولى، طلبات مباشرة فرنسية- سعودية بالتمديد للمجلس النيابي وتأجيل الانتخابات سنة واحدة على الأقل، وأنّ مستوى الضغط ارتفع من جانب السّعودية بعد قرار الرئيس سعد الحريري خوض الانتخابات.

كشفت مصادر صحفية أن الولايات المتحدة والسعودية لا تبديان اندفاعًا لإجراء الانتخابات، في ظل الواقع السياسي والأمني الحالي. إذ ثمة خشية من أن تؤدي الانتخابات في هذا التوقيت إلى إعادة إنتاج التوازنات نفسها، وربما تعزيز موقع "الثنائي الشيعي".

نتائج المواجهة مع حزب الله لم تُترجم على المستوى السياسي والشعبي كما كان يُفترض، ولم تؤدِّ إلى إضعاف موقعه أو تقليص نفوذه داخل بيئته الحاضنة. بخلاف ذلك؛ في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وعجز الدبلوماسية اللبنانية عن لجم "إسرائيل"، أصبحت بيئة المقاومة أكثر تمسكًا بمواقفها اتجاه مسألة مشروعية السلاح وأحقية الدفاع عن نفسها.

يبدو أن الأولوية في واشنطن والرياض، وفقًا للمعطيات، هي معالجة ملف سلاح حزب الله قبل الذهاب إلى صناديق الاقتراع ومحاولة إضعافه سياسيًا وشعبيًا تمهيدًا لتغيير المزاج داخل بيئته. إذ أجريت الانتخابات، أُجريت في ظل استمرار هذا الواقع، ستمنح الحزب مجددًا شرعية شعبية وسياسية، وتكرس حضوره داخل مؤسسات الدولة.

"الثنائي الشيعي"

يُعدّ حزب الله وحليفه حركة أمل الأكثر حماسة لإجراء الانتخابات في موعدها، وقد أطلق الحزب ماكينته الانتخابية، في حين افتتح رئيس مجلس النواب عملية الترشيحات في مسعى واضح منه للحفاظ على المقاعد الشيعية كاملة. إذ إن المجلس النيابي الحالي يشكّل مظلة سياسية وقانونية لنفوذهما، وتجديد هذا التفويض سريعًا يضمن لهما ضمان حضورهما داخل مؤسسات الدولة، وفي طليعتها رئاسة المجلس، ومنع أي اختراق داخلي، لا سيما وأن هناك من يسعى لإضعاف الحزب.

كما أن برّي أوضح لمن اتصل به من الجانب السّعودي أنّ الثنائي ليس في وارد المشاركة بأيّ مقترح للتمديد، مع عدم معارضته للأمر، في حال قدّمت الحكومة الاقتراح ووافقت عليه الكتل الأساسية الحليفة للمملكة (القوّات اللبنانية والكتائب والتقدمي الاشتراكي والنواب السنّة).

في الجانب الآخر؛شدد الرئيس برّي على "عدم وجود مسوّغ لتأجيل الاستحقاقات الدستورية وعدم إتمامها في مواعيدها". وقال إنّ: "من يريد التأجيل عليه أنْ يتحمل مسؤولياته، ولا يرميها على الآخرين"، راميًا الكرة في مرمى الآخرين من خصومه، والذين بات عليهم المبادرة لطرح تأجيل الانتخابات تجاوبًا مع مطلب الخارج بالتمديد، لا سيما سفراء اللجنة الخماسية، ما سيجعلهم يبدون في نظر اللبنانيين متناقضين مع أنفسهم ومواطنيهم، بعدما كانوا طوال المرحلة الماضية يرفضون تأجيل الانتخابات، ويحمّلون برّي وبقية الحلفاء من حزب الله والتيّار الوطني الحرّ وتيّار المردة مسؤولية تأجيلها، فإذ بهذه التهمة ترتد عليهم، وبطلب خارجي من داعميهم يشبه "أمر العمليات" الذي لا يستطيعون الفرار منه.

من هي الأطراف التي لا تريد الانتخابات؟

أما على الضفة الأخرى، فتبدو القوات اللبنانية من أكثر القوى ميلاً إلى خيار التمديد، وفقًأ لما تؤكده أوساطها في الكواليس، مع أن هذا الموقف لا يظهر في خطاب رئيسها سمير جعجع العلني الذي يحرص على تقديم نفسه مدافعًا عن احترام المهل الدستورية.

كما تشير المعلومات، أيضًا، إلى أن معظم نواب التغيير يميلون إلى خيار التأجيل. إذ يعتقدون أن إجراء الانتخابات في موعدها قد لا يضمن عودتهم إلى المجلس، ما يجعل موقفهم جزءًا من تقاطع المصالح الداخلية مع القوى الأخرى في نقاش موعد الانتخابات.

أما حزب الكتائب، فهناك إشكاليتان عالقتان لديه: مسألة المغتربين وحصر السلاح. هذا؛ وبرز، في يوم أمس، موقف واضح لرئيس الحزب النائب سامي الجميل الذي قال: "كي تكون الانتخابات النيابية حرة ونزيهة يجب أن ينتهي حصر السلاح قبلها".

هذا؛ تلفت أوساط الكتائب إلى: "أننا لا نعمل على التمديد أو التأجيل قطعًا. بل على العكس، نرفض أيّ تمديد تقني. أما الموقف من حصرية السلاح فهو واضح ويرتبط بواجبات السلطة ومسؤوليات الدولة في تأمين نزاهة الانتخابات في المناطق كلها، لا سيما في مناطق نفوذ "حزب الله". هذا ما سبق أن عبّرنا عنه في بيان المكتب السياسي للحزب، من خلال الإسراع في حصر السلاح قبل موعد الاستحقاق الدستوري، شرطًا آمنًا لأي عملية ديموقراطية".

كما تتوقف الكتائب عند إشكالية أخرى هي تصويت المغتربين، فتدعو إلى "تعديل قانون الانتخاب فورًا للسماح لغير المقيمين بالاقتراع للنواب الـ128، بدلاً من تمديد تقني يضرب مبدأ المساواة بين المغتربين القادرين على المجيء إلى لبنان وأولئك العاجزين عن ذلك".

في المحصلة، يتقاطع العامل الداخلي مع الضغوط الخارجية ليضع الاستحقاق النيابي أمام مفترق حساس... بين من يرى في الانتخابات مدخلاً لتكريس الواقع القائم، ومن يرى أن تأجيلها يتيح انتظار تحوّلات أعمق، يبقى اللبنانيون أسرى حسابات إقليمية ومحلية معقدة، ويظل مصير الانتخابات معلّقًا على ميزان المصالح الدولية، أكثر مما هو مرتبط بإرادة الناخبين أو متطلبات الحياة الديمقراطية.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد