أوراق سياسية

العمامة التي "عرّفتنا إلى الله"

post-img

زينب حمود (الأخبار)

بعد عام على غياب الشهيد السيد حسن نصر الله، ومراجعة سريعة للإرث الذي تركه من خطابات ومحاضرات، والتوقّف عند إجابات الناس عمّا يعنيه لهم نصر الله، يتّضح حجم التأثير المهول الذي خلّفه هذا الرجل العظيم في نفوس وعقول ووجدان من عرفوه. ليس على الصعيد السياسي والتحرري فقط، بل في مختلف الجوانب الدينية والاجتماعية والثقافية. بالنسبة إلى كثيرين، تحوّلت خطابات نصر الله مع الوقت إلى دستور حياة، وشكلت عمامته الدليل إلى الله والبوصلة إلى الدين الإسلامي المحمدي من أبوابه الواسعة. لتنجح بذلك عمامة واحدة، خلال ثلاثين عاماً فقط، أن تفعل ما لم تقدر جيوش من علماء الدين والاجتماع أن تفعله في عقود من الزمن.

السيد لا يكذب

من الصعب أن تقنع الأطفال بوجود الله. حتى الكبار يحتاج أي رجل دين إلى جهد للإجابة عن أسئلتهم الميتافيزيقية حول الوجود والكون والخالق والآخرة وغيرها. ولكن «السيد لا يكذب»، إذ كانت خطاباته طريقاً معبّداً لإقناع كثيرين بأن الله موجود. ومن بينهم الفتاة السورية جويل، التي تقول إنها تعرفت إلى السيد خارج أي تصنيف ديني و«أحبّته بغضّ النظر عن لباسه وطائفته. بل من عيون أهالي الجنوب الذين نزحوا خلال حرب تموز عام 2006 إلى سوريا وسكنوا في جوارنا. كنت طفلة في ذلك الوقت ولم أفهم سبب يقينهم أنهم سيعودون بعد أيام إلى قراهم منتصرين، بينما المتابعون في سوريا يتحدثون عن وصول الإسرائيلي إلى العاصمة. كان السرّ في السيد حسن الذي وعدهم بذلك، وصدق وعده». وتضيف «منذ ذلك الوقت وأنا أثق بكل ما يقوله هذا الرجل، ولا سيّما أنّ الله موجود ويسمعنا في كل مكان وزمان، حتى في منزلي الذي لم يدلّني إلى الله».

دين نصر الله

رأى الناس في خطابات السيد نموذج الدين الإسلامي الرحيم في طفرة التطرف والدموية باسم الإسلام، و«الإسلاموفوبيا». «دين نصر الله» تجاوز السجدة والمسبحة إلى القيم والأخلاق مثل التسامح والعطاء والتضحية، وعلّم الناس كيف يحبّون ويعبّرون عن حبهم.
وأول ما يتبادر إلى أذهان الناس عندما تسألهم عن علاقتهم بالسيد كرجل دين هو أنه «الصلة بيننا وبين الله». حفظ كثيرون الدعاء الذي دائماً ما ردّده السيد عند المصائب: «يا من إذا تضايقت الأمور...»، وراحوا يقلدون السيد حتى في طريقة التواصل مع الله عند الشدائد، فـ«عندما أكون متضايقاً أذهب إلى غرفتي وأحكي مع الله»، هكذا يفعلون هم أيضاً، ثم ينتظرون «الحل بطريقة لا يتوقعونها» كما وعدهم السيد تماماً.

وصار في شخص السيد سرّ غريب يجعل جمهوره يرتاحون لمجرد الاستماع إلى خطاباته المسجّلة، ويأنسون بصوته وكلامه، خصوصاً بعدما وظّفت كمواد تعرض مع صور وموسيقى على «تيك توك» و«إنستغرام». هكذا لم يعد السيد زعيم المقاومة، بل الأب الروحي و«الملجأ» الذي يقصده الناس عندما تضيق بهم الدنيا، فـ«يهوّن علينا أي مصيبة مهما كبر حجمها».

وليس من المبالغة القول إنّ كل واحد من أبناء السيد وجد نفسه في زاوية من محاضراته، وبين سطور خطاباته الدينية والثقافية. فمنهم من يحمل كلام السيد في فكره وروحه وسلوكه وفي علاقاته مع الله ومع الآخرين. وهناك من يبرمج حياته على أساس ما يرضي السيد وما يحزنه. فراحت تُربّى أجيال على قياس خطاباته ومحاضراته. وعلى محبة نصر الله، كان أبناؤه يطبقون وصاياه لإرضائه في البداية، ثم يقتنعون أن السيد صنع منهم شخصية واعية ومثقفة، ولا سيما في خطاباته حول أهمية العلم.

لا يمل من السيّد

كانت خطابات السيد سهلة ممتنعة، وصلت إلى جميع الفئات العمرية والثقافية وحسّستهم أن السيد يحكي معهم بشكل خاص من دون تنظير ولا فوقية. وطعّم السيد كلامه الجدي بالنكتة، والفصيح بالعامية ذات اللكنة الجنوبية. وكان يسند معلوماته إلى مصدرها، ويستشهد بآيات قرآنية وأقوال، ثم يسقطها على المجتمع عبر قصصه الواقعية. لذلك «كان لا يُملّ من السيد، رغم أنه كان يردد في آخر خطاباته: «سامحوني، طولت عليكم، آخر نقطة»، كنا نتمنى ألا ينتهي خطابه أبداً».

ومثلما تشتهر بعض خطابات السيد السياسية والثورية ويحفظها العامة، هناك محاضرات دينية وثقافية للسيد تتردد على لسان الناس، مثل محاضرته عن «لوازم الحب». وفي خضمّ القضايا الداخلية والإقليمية والعالمية، لم يغفل السيد المسائل الحيوية للأفراد ومشكلات المجتمع. وحرص على محاربة الثقافة الغربية المنافية لثقافتنا وتقوية وتمكين العائلات في إطار بناء المجتمع ومحاربة هشاشته.

وكان السيد مواكباً للعصر، محافظاً على الثوابت في الدين بقالب مرن. تحاول فاطمة أن تصف علاقتها بالسيد كرجل دين فلا تفلح. ثم تقول «السيد أكثر من شخصية دينية، هو نمط حياة، فلا يقول ضعي الحجاب أو أدي فروض الصلاة الخمس، لكنه يعلمك كيف تعيشي النمط الإسلامي وأنت على قناعة تامة بأنك في المكان الصحيح».

الحفظ والنشر

وعدا الخطابات العلنية التي بثتها القنوات التلفزيونية وانتشر بعض منها على وسائل التواصل الاجتماعي، هناك إرث من خطابات نصر الله ضمن لقاءات خاصة ذات بُعد تربوي ديني ثقافي لم يُنشر بعد. تقول مديرة الدراسات في مكتب «أمان للإرشاد السلوكي والاجتماعي» سحر مصطفى إن «هناك جهوداً يقوم بها المعنيون في حزب الله لنشر ما يمكن من هذه الخطابات أو جزء منها لتعميم الفائدة». وتولي مصطفى أهمية مجتمعية كبيرة لهذه الخطوة، لأن «الدين الذي قدمه السيد ليس فرائض وأحكام، وإنما يؤسس لحضارة، فهو لم يحصر حديثه في الفقه والعقيدة، بل تعمق في قضايا الزواج وتكوين الأسرة والعلاقات الاجتماعية المختلفة وحتى العمل مثل النشاطات التجارية».

المثال الأعلى

وكان السيد بذلك حالة استثنائية، من الصعب فهم سبب تأثر الناس به بهذا الشكل. تحاول مصطفى إعطاء تفسير علمي لذلك، فترده «أولاً إلى العمامة، التي تربط السيد نسباً برسول الله، ما يعطيه مسحة قداسة، إلى جانب دراسته للعلوم الدينية والتعمق فيها. ثانياً خطاباته المؤثرة في الشكل والمضمون لأنها تهمّ جميع الناس، وتقدّم بأسلوب مبسط وعميق. ثالثاً، شخصية السيد «البطل» في المخيال الاجتماعي، ليس فقط على صعيد الإنجازات العسكرية، بل في الأخلاقيات العالية والقيم الاجتماعية التي تجمع بين الشجاعة والصدق والشفافية، والتحدث بما يعرفه لذلك كان يقول أحياناً «هذا ليس من تخصصي». وهذا ما يجعله قائداً ومثلاً أعلى». وتضيف «من التقى بالسيد قبل الـ2006 من عامة الناس عاين كيف تنطبق عليه الصفات الحسنة مثل الزهد والحياء».

وأخيراً، يمكن التوصل إلى أنّ عمامة نصر الله لم تسقط يوم رحل هذا الرجل العظيم إلى مثواه الأخير، ولم تنزل معه في ضريحه. بحسب السيد علي الخامنئي، «نصر الله ثروة للإسلام». وبحسب كثيرين من المسلمين وغير المسلمين، «نصر الله هو الرسول الذي عرّفنا إلى الله، والمعجزة التي أثبتت لنا أن الله موجود». ولأن المعجزة لا تموت، لا يمكن لعمامة نصر الله أن تسقط أبداً.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد