أوراق سياسية

حين تسبق الفضيحة الحرب ورسم خرائط الهيمنة.. "جزيرة إبستين في خدمة الصهاينة"

post-img

عبد الرزاق القرحاني (سفير االشمال)
    
لم تكن جزيرة إبستين مجرّد فضيحة معزولة، ولا حادثة أخلاقية شاذة في هامش التاريخ السياسي، بل شكّلت مرآة صادمة لانحطاط أخلاقي وإنساني وسياسي يضرب في عمق المنظومة الحاكمة للعالم المعاصر. 

فالقضية، بما حملته من وثائق وتسريبات، لم تكشف فقط عن شبكة إستغلال جنسي، بل أزاحت الستار عن تواطؤ النخب، وتداخل السلطة بالمال، وتحوّل الإنسان إلى أداة في سوق النفوذ.

إن ما ارتبط باسم جيفري إبستين لا يمكن فصله عن بنية السلطة العالمية. فالأسماء التي ترددت في الوثائق – من سياسيين وماليين وإعلاميين – تؤكد أن الإنحراف لم يكن فردياً، بل بنيوياً. لقد تحوّلت الأجساد، وخصوصاً أجساد القاصرين، إلى أوراق ضغط وإبتزاز، تُستخدم لتأمين الولاءات، وإسكات الخصوم، وضمان إستمرار النفوذ.

وهنا تتهاوى الشعارات الأخلاقية التي لطالما تباهى بها الغرب في خطاب حقوق الإنسان، وحماية الكرامة البشرية في كلّ البلدان، ليظهر الوجه الحقيقي لمنظومة تُدين الضعفاء وتُحصّن الأقوياء.

إن توقيت نشر الوثائق لا يقل أهمية عن مضمونها. فالتسريبات جاءت في لحظة نشهد فيها تصاعد التباينات داخل المعسكر الغربي، وصراعاً محتدماً بين النخب التقليدية والقوى الشعبوية، واهتزاز الثقة بالمؤسسات الدولية، وتحوّلات جذرية في موازين الاقتصاد والأسواق العالمية.

تبدو هذه التسريبات وكأنها جزء من حرب داخل الدولة العميقة، حيث تُستخدم الفضائح لإعادة ترتيب مراكز القوّة، أو لإسقاط شخصيات لم تعد تخدم المرحلة المقبلة. فالفضيحة هنا ليست أداة للعدالة، بل وسيلة سياسية في الصراع على النفوذ، بكل ندالة.

تتزامن هذه الفضيحة مع عجز فاضح لمنظومة الأمم المتحدة عن وقف الحروب، أو كبح الطغيان، أو حماية حقوق الإنسان.

فمن فلسطين إلى اليمن والسودان، مروراً بأوكرانيا وفنزويلا وكندا وغرينلاند، وصولاً إلى تايوان. نتأكد أن القانون الدولي لم يعد سوى نصوص بلا أنياب تحمي من الأطماع والعدوان.

إن الصمت الدولي إزاء الجرائم الأخلاقية والسياسية الكبرى يعكس سقوط فكرة “الضمير العالمي”، ويؤشر إلى نهاية مرحلة كان يُفترض فيها أن تشكّل المؤسسات الدولية مرجعية أخلاقية وقانونية. أما اليوم، لم تعد هذه المؤسسات قادرة حتّى على حفظ ماء وجهها.

تسهم هذه التسريبات في تسريع المخاض المتعسر، لعالم جديد. يتراجع فيه النموذج الإقتصادي النيوليبرالي، ليتصاعد مكانه إقتصاد القوّة والموارد، ولتزداد من خلاله الفجوة بين النخب والجماهير.

 أما على المستوى السياسي، نرى تآكل للديمقراطيات الشكلية، وصعود لأنماط حكم أكثر فجاجة وديكتاتورية.

 إضافة إلى انهيار الثقة بالمؤسسات الدولية، وتنامي الغضب الشعبي، وتفكك السرديات الأخلاقية.

في هذا العالم، لم تعد القيم محرّكاً للسياسة، بل أصبحت عبئاً يُستغنى عنها عند أول إختبار أو حدث أو منافسة.

لا يمكن فصل هذه التحولات عن المشروع الصهيوني المتمدد والمتنامي، الذي لا يرى في الفوضى العالمية تهديداً بل فرصة. فالحلم بإقامة دولة "اسرائيل" الكبرى من البحر إلى النهر يتقاطع مع إضعاف القانون الدولي، و تطبيع القتل والحصار والتهجير، وتحويل الإقتصاد العالمي إلى شبكة مصالح تخدم قلة محتكرة للقوة.

إن إنكشاف الإنحطاط الأخلاقي للنخب الغربية يسهّل تمرير السياسات الاستعمارية الجديدة، ويمنح الغطاء لهيمنة إقتصادية وأمنية عابرة للحدود، تكون فيها أوروبا بشكل عام، وعالمنا العربي والإسلامي بشكل خاص، وحقوق الشعب الفلسطيني تحديداً، خارج معادلة القيمة.

ليست قضية إبستين نهاية فصل، بل بداية مرحلة. مرحلة يُعاد فيها تعريف السلطة، والعدالة، والإنسان. فإذا لم يتحوّل هذا الانكشاف إلى وعي عالمي وضغط شعبي حقيقي، فإن العالم مقبل على نظام أكثر قسوة، وأقل أخلاقاً، وأشد توحشاً.

إن أخطر ما في جزيرة إبستين ليس ما جرى عليها، بل ما كشفته عن عالم يقف على حافة الإنهيار،، بلا خجل.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد