معتز منصور/ كاتب وباحث سياسي
ليست مسألة إيداع العراق إحداثيات مجالاته البحرية، في الأمم المتحدة، مجرد خطوة قانونية متأخرة، هي لحظة إعادة تعريف لمفهوم السيادة نفسه في دولة خرجت من عقود من الحروب والعقوبات والوصاية الدولية. حين تستند بغداد إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 لتثبيت خطوط الأساس والبحر الإقليمي والمنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، فهي لا تمارس حقا إجرائيا فحسب، بل تعلن انتقالاً من إدارة الأزمة إلى بناء المجال.
العمق الحقيقي للقضية لا يكمن في النصوص القانونية، إنما في السياق الذي تتحرك داخله. العراق دولة ذات شريط ساحلي محدود في شمال الخليج، أي أن كل متر بحري لديه مضاعف القيمة، اقتصاديا واستراتيجيا. في الجغرافيا الضيقة تصبح الخطوط البحرية مكافئة للحدود البرية، بل ربما أشد حساسية؛ لأنها ترتبط بممرات الملاحة وبحقول الطاقة المغمورة وبمفاهيم المنطقة الاقتصادية الخالصة التي تعيد تعريف الثروة الوطنية خارج اليابسة.
من هذه الزاوية، يبدو الإيداع خطوة تصحيح تاريخي. الدولة العراقية، بعد العام 2003، انشغلت بإعادة بناء مؤسساتها البرية، فيما ظل البحر ملفا مؤجلًا. التأجيل هنا لم يكن حيادًا، لقد كان يعني ترك المجال البحري في منطقة رمادية قانونيًا قابلة للتأويل والتنازع. الإيداع الحالي يحاول إنهاء هذه المنطقة الرمادية. لكنه في الوقت ذاته يفتح بابًا لمساءلة أعمق، هل يكفي التثبيت القانوني إذا لم يكن مسنودًا بتفاهم سياسي إقليمي؟
الاعتراض الكويتي لا يمكن قراءته فقط بوصفه خلافا فنيًا على إحداثيات. خلفه ذاكرة ثقيلة مرتبطة بمرحلة ما بعد 1990، وبالترسيم الذي كرسه قرار مجلس الأمن 833. ذلك القرار لم يرسم حدودًا وحسب، لقد أسس لتوازن ردعي قانوني في العلاقة بين البلدين؛ أي خطوة عراقية اليوم، حتى لو كانت منسجمة شكليًا مع القانون الدولي، ستخضع تلقائيًا لامتحان الاتساق مع ذلك الإرث. هنا؛ تتكشف الإشكالية البنيوية، فالعراق يريد أن يتصرف بكونه دولة مكتملة السيادة، فيما ما تزال بعض حدوده البحرية محكومة بسياق تشكل تحت ضغط دولي استثنائي.
لكن التركيز على الكويت وحدها يحجب طبقة أعمق من التحليل. ردود الفعل الخليجية الأوسع واستدعاء سفراء دول عربية غير معنية مباشرة بالحدود، يشيران إلى أن البحر في الخليج ليس مجرد فضاء جغرافي، بل نظام توازنات؛ أي إعادة تعريف لخط أساس. هنا قد تعني إعادة حسابات هناك، سواء في تقاسم الحقول المشتركة مثل حقل الدرة أم في تنظيم الملاحة في خور عبد الله، أو في تقدير المسافات المؤثرة في رسم المناطق الاقتصادية الخالصة المتقابلة.
في هذا المستوى، يصبح السؤال ليس من يملك الحق القانوني، بل من يملك القدرة على إدارة آثار هذا الحق. القانون يمنح العراق أداة تثبيت، لكنه لا يمنحه تلقائيًا اعترافًا سياسيًا من الجوار. الاعتراف يصنع بالتفاوض وببناء الثقة وبضمان ألا تتحول الخطوة إلى أداة ضغط متبادل.
ثمة بعد داخلي لا يقل أهمية. الخطاب الحكومي والبرلماني يقدم الإيداع بوصفه إنجازًا سياديًا غير مسبوق، ويفتح أفقًا للتنقيب عن النفط والغاز، ويطمئن الصيادين. هذا الربط بين السيادة والاقتصاد يعكس وعيًا بأن الشرعية في العراق المعاصر لا تبنى بالشعارات، بل بقدرة الدولة على تحويل الجغرافيا إلى موارد. غير أن تحويل الملف إلى عنوان تعبوي قد يقيد لاحقا هامش المناورة الدبلوماسية، لأن أي تعديل أو تفاوض سيقرأ داخليًا تنازلًا عن حق تم تثبيته باسم الكرامة الوطنية.
العمق الاستراتيجي للقضية يتمثل في أن العراق يحاول الانتقال من موقع الدولة التي ترسم حدودها تحت إشراف الآخرين إلى موقع الدولة التي تبادر إلى تعريف حدودها بنفسها. هذا التحول جوهري في علم السياسة، لأنه يمس مفهوم الفاعلية. الدولة الفاعلة لا تنتظر اكتمال التوافق، بل تضع تصورها وتدعو الآخرين إلى التفاوض انطلاقا منه. لكن الفاعلية من دون قراءة دقيقة لبيئة التوازن قد تتحول إلى احتكاك غير محسوب.
المسألة إذًا ليست صراعًا على أمتار بحرية، بل اختبار لقدرة العراق على إنتاج معادلة جديدة تجمع بين ثلاثة عناصر: الشرعية القانونية والحساسية التاريخية والتوازن الإقليمي. إذا طغى عنصر على آخر اختلت المعادلة. تغليب القانون من دون مراعاة الحساسية السياسية قد يؤدي إلى تصعيد. تغليب المجاملة السياسية على حساب التثبيت القانوني قد يعيد إنتاج المنطقة الرمادية التي حاولت بغداد الخروج منها.
في المدى الأبعد، يطرح الملف سؤالاً أكبر عن موقع العراق في الخليج. هل يريد أن يكون مجرد طرف متأثر بتفاهمات الآخرين أم شريكًا كاملًا في صياغة قواعد اللعبة البحرية؟ الإيداع يوحي بالإجابة الثانية. لكن الشراكة الكاملة تتطلب شبكة تفاهمات ثنائية ومتعددة الأطراف، وربما آليات تنسيق دائمة في الملاحة والحقول المشتركة وترسيم الخطوط المتداخلة.
في هذا االسياق؛ يتحدد المعنى العميق للخطوة. إذا أحسن العراق إدارة المرحلة التالية، أي مرحلة الحوار التفصيلي في النقاط محل الاعتراض، فقد يتحول الإيداع إلى نقطة انطلاق لإعادة هندسة علاقته البحرية مع الخليج على أساس أكثر وضوحًا. أما إذا انزلق الملف إلى سجال سيادي متبادل، فقد يجد نفسه في مواجهة شبكة اعتراضات تعطل الأثر الاقتصادي الذي راهن عليه.
البحر، في النهاية، ليس مجرد مساحة زرقاء على الخريطة. إنه اختبار لنضج الدولة. العراق اليوم، وهو يودع إحداثياته في الأمم المتحدة، لا يختبر فقط حدوده البحرية، بل يختبر قدرته على أن يكون دولة ترسم حدودها بثقة، وتتفاوض عليها بحكمة، وتحولها من خط دفاع إلى مجال نفوذ مشروع ومستقر.