علي عواد/جريدة الأخبار
ثمة طريقتان لقراءة ما حدث في الساعات الثماني والأربعين التي سبقت اندلاع الحرب. الأولى: أنّ التاريخ مشغول دائمًا، وأن الأحداث الكبرى تتزاحم بلا قصد ولا تنسيق. والثانية: أن التزامن بين قضيتين، واحدة تُسائل الماضي، وأخرى تفتح باب المستقبل على الحرب، لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الأشمل. لا شيء مما يلي يُثبت نية. لكن من واجب الصحافة أن تقرأ التسلسل الزمني كما حدث، بكل ثقله وبلا حذف.
قبل أسبوع من العدوان الأميركي الصهيوني على إيران، وقف النائب الديموقراطي عن ماساتشوستس، جيم ماكغفرن، مُدينًا التوجه نحو الحرب مع إيران، واصفًا من يدفع إليها بـ«طبقة إبستين المليارديرية». لم يقل هذا صحافي متحمّس. قاله مشرّع أميركي منتخب على منصة رسمية في قاعة الكونغرس.
الحرب أرباح أيضًا، ومن يعرف موعدها يكسب مرتين. في اليوم نفسه الذي أطلقت فيه الطائرات الأميركية والإسرائيلية صواريخها نحو طهران، كانت هناك ستة حسابات على منصة المراهنات «بوليماركت» تجني مبلغ مليون ومئتي ألف دولار. لم تكن هذه الحسابات موجودة قبل شهر. لم يكن لها أي نشاط سابق. أُنشئت في شباط (فبراير)، وموّلت في الساعات الأربع والعشرين التي سبقت الضربات، واشترت أسهم «نعم» في سؤال واحد: هل ستضرب الولايات المتحدة إيران قبل نهاية الشهر؟
الساعات الـ48 التي سبقت الحرب
يوم الخميس 26 شباط. أمضت هيلاري كلينتون أكثر من ست ساعات في جلسة مغلقة أمام لجنة الرقابة في مجلس النواب، داخل مسرح «شابّاكوا» للفنون في البلدة الهادئة التي تقيم فيها شمال نيويورك. اللجنة طرحت أسئلة أساسية: كيف راكم جيفري إبستين ثروته؟ كيف أحاط نفسه بشبكة من أقوى الرجال في العالم؟
قبل انطلاق الاستجواب، توقفت الجلسة فجأة. فقد سرّبت النائبة لورين بوبيرت صورة من داخل القاعة إلى مؤثر محافظ نشرها على منصة «إكس»، ما فرض تعليقًا مؤقتًا قبل استئنافها. في اليوم نفسه، كان قائد القيادة المركزية الأميركية، الأدميرال براد كوبر، يضع الرئيس دونالد ترامب أمام الخيارات العسكرية المتاحة تجاه إيران.
في المساء، كان نائب الرئيس جي دي فانس على متن طائرة «إير فورس تو» عائدًا إلى واشنطن عندما تحدث إلى الصحافيين. قال حرفيًا: «الفكرة أننا سنكون في حرب في الشرق الأوسط لسنوات بلا نهاية في الأفق، لا فرصة لأن يحدث ذلك». صدر هذا التصريح قبل ثماني وأربعين ساعة من اندلاع الحرب.
يوم الجمعة، 27 شباط. مَثل الرئيس الأسبق بيل كلينتون بدوره أمام المشرّعين في «شابّاكوا»، في أول مثول لرئيس أميركي سابق أمام لجنة في الكونغرس منذ أكثر من أربعة عقود. في بيانه الافتتاحي، وصف علاقته بإبستين بأنها «معرفة عابرة» انتهت قبل سنوات من انكشاف جرائمه، وكرر: «لم أرَ شيئًا، ولم أفعل شيئًا خاطئًا». استمرت الجلسة أكثر من ست ساعات وانتهت بهدوء، وتعهد رئيس اللجنة جيمس كومر بنشر التسجيل الكامل والنصوص في أقرب وقت. وفي مكان ما، كان ترامب يتابع رئيسًا سابقًا يُستجوب علنًا، وهو مشهد لا يريد أي رئيس أن يراه يتكرر باسمه.
يوم السبت، 28 شباط. انطلقت الصواريخ. ومن أجل الموضوعية والدقة، لا يمكن القول إنّ الحرب أوقفت مسار جلسات الاستجواب التي كان متوقعًا أن تصل إلى ترامب شخصيًا. ما حدث أن الأولويات تبدّلت. وأزيحت القضية من الواجهة إلى الهامش في لحظة الحرب.
رأس المال يراهن على الدم
في الوقت نفسه، كانت حرب أخرى تدور في غرف المال. تتيح «بوليماركت»، وهي منصة مراهنات سياسية أميركية، للمستخدمين الرهان على نتائج أحداث حقيقية: انتخابات، قرارات حكومية، عمليات عسكرية. لا تخضع لتنظيم يماثل أسواق المال، ولا تفرض سقفًا للأرباح. من يمتلك معلومة قبل غيره يربح.
ما يضع هذه المنصة داخل القصة أنّ دونالد ترامب الابن يعمل مستشارًا لها (راجع «الأخبار» الأربعاء 21 كانون الثاني 2026)، وأن صندوقه الاستثماري «1789 كابيتال» ضخّ أموالًا فيها. وفي موازاة ذلك، تخطط منصة التواصل «تروث سوشال»، الذراع الإعلامية للرئيس ترامب، لإطلاق خدمة مراهنات سياسية منافسة.
عائلة تدير البيت الأبيض وتستثمر في منصة يراهن فيها المستخدمون على قرارات البيت الأبيض، هذا التقاطع غير مسبوق في التاريخ الأميركي.
التداول الداخلي في «بوليماركت» ليس اتهامًا جديدًا. الآلية واضحة: شخص في موقع حسّاس يعلم ما لا يعلمه غيره، يراهن، فيربح. بلغ حجم التداول على الرهان بضربة 28 شباط في ذلك اليوم وحده قرابة تسعين مليون دولار، وهو جزء من أكثر من 529 مليون دولار راهن عليها المستخدمون في أسواق الضربة على إيران منذ كانون الأول (ديسمبر). وقد فازت ستة حسابات على «بوليماركت» بحوالى 1.2 مليون دولار بتوقعهم أن الولايات المتحدة ستضرب في 28 شباط، وفقًا لتقرير نشره موقع «كوين دسك».
مَن يكسب من الحرب؟
كتب الفيلسوف الألماني والتر بنيامين أن «الفاشية هي تجميل السياسة». لو امتد تحليله إلى زمننا، ربما رأى في إبستين ما تبدو عليه الرأسمالية المتأخرة حين تكشف عن وجهها الحقيقي: طبقة تعيش فوق القانون وتحت الرادار، تحوّل السياسة إلى منتج والسلطة إلى شبكة مصالح خاصة.
لم يكن الربح من الحرب يومًا سرًا. لكن للمرة الأولى، يستطيع مَن يمتلك معلومة عن الحرب أن يحوّلها إلى رقم في محفظته قبل أن تصل الصواريخ إلى أهدافها، على منصة عامة، أمام الجميع، وبشكل قانوني تمامًا.
ما تكشفه قضية «بوليماركت» وإبستين والساعات الثماني والأربعون هو صورة للبنية العميقة لنظام يُدار فيه العالم بواسطة طبقة تعيش خارج الزمن الذي يعيشه الآخرون، تعرف ما لم يُعلَن، وتربح مما لم يقع بعد، وتتحكم بما لا يُرى.
السؤال الآن: هل تحوّل النظام بأكمله إلى تداول داخلي؟